الوحدة المغاربية ..شرعية التاريخ المشترك في خدمة المستقبل المشترك‎

سعيد جعفر:

على هامش نداء الملك محمد السادس ودعوة عبد الرحمان اليوسفي الجزائر للتقارب و الوحدة المغاربية

التاريخ ليس مجرد تاريخ مضى، وليس مجرد أحداث نرتبها بعناية في مذكراتنا أو في كتب ودفاتر أو في رفوف للإستئناس.
امتلاك التاريخ هو امتلاك لفهم وتدبير الحاضر كما يقول بروديل، والتاريخ هو الوقود الذي يجعل الحاضر شغالا ويضمن الوصول لمحطة المستقبل بلغة دوغول.

ومن يملك الماضي يملك الحاضر والمستقبل بتعبير تروتسكي.

قاطرة المغرب/الجزائر اليوم متوقفة ولم تضمن بعد المستقبل لأنها لم تستخدم وقود الماضي رغم جودته.

ما يجمع المغرب بالجزائر أكثر من حدود ولغة ودين ومصاهرات...، ما يجمع الجزائر والمغرب هو ماض مشترك من المقاومة ووحدة العدو، وما يجمعهما حاضرا ومستقبلا هو تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية وثقافية كبيرة وضاغطة

ويمكن القول أن التحدي والرهان اليوم في التعاون ضد التحديات والمخاطر المحدقة، وفي الإستقلال عن التبعية الخارجية لا يقل أهمية عن رهان الإستقلال من الإستعمار الفرنسي للدول المغاربية الثلاث بما في ذلك تونس.

وبعد حوالي 70 سنة من تمرين الوحدة العسكرية والسياسية بين الدول المغاربية الثلاث تونس والجزائر والمغرب يبدو أنه أصبح من الممكن، بل ومن الضروري، أن يحدث اليوم حدث ما يساعد على ربح الحاضر والمستقبل بإستثمار فرص الماضي.

يمثل التعاون العسكري بين المقاومة المغربية وجيش التحرير الجزائري، و رعاية السلطان محمد بن يوسف لهذا التعاون معطى ومكسبا تاريخيا لفهم الحاضر وفك تعقيداته القائمة.

في القاهرة بمناسبة إجتماع مكتب الدول المغاربية سيتلقى ممثل جيش التحرير الجزائري مزياني مسعود ( أحمد بن بلة الذي لجأ للسرية بعد حادثة صندوق بريد وهران وهروبه لفرنسا) دعم جمال عبد الناصر والأمير عبد الكريم الخطابي وممثلي المقاومة المغربية.

وفي 1954 بمدريد سيلتقي ممثلو جيش التحرير الجزائري وعلى رأسهم أحمد بن بلة السلطان محمد بن يوسف وممثلي المقاومة المغربية بقيادة عبد الكبير الفاسي.

في عز الأزمة المغربية بنفي السلطان محمد بن يوسف وقيام أحداث 20 غشت 1955، أصدرت حركة المقاومة المغربية وجبش التحرير الجزائري بلاغا مشتركا حدد أهداف مشتركة تتمثل في الكفاح من أجل عودة محمد الخامس من المنفى وتحرير أقطار المغربي الكبير.

ووضع آلية للتنسيق في شكل قيادة موحدة تشرف على حركة التحرير في البلدين باسم جيش تحرير المغرب الكبير.

ضمت لجنة التنسيق عن المغرب عبد الرحمان اليوسفي وحسن صفي الدين وعبد الكريم الخطيب وسعيد بونعيلات وعن الجزائر أحمد بن بلة و أحمد بوضياف وخيضر وحسين آيت أحمد.

وكان من أول أعمال مكتب تنسيق جيش تحرير المغرب الكبير هو تنسيق مخططات المقاومة ضد المحتل الفرنسي عبر التنقل على طول أراضي المغرب والجزائر وتونس لإحداث أنوية وقواعد للعمل المسلح والتي ستحقق انتصارات مهمة ضد الجيوش الفرنسية كما حدث في قاعدة سوق أهراس على الحدود الجزائرية-التونسية.

وكان من نتائج هذه الوحدة العسكرية تشتت جهود فرنسا على جبهات ثلاث تغطي مساحة جغرافية كبيرة، ومواجهتها لنمو نضالي لوحدة مغاربية تهدد المصالح الاستراتيجية لفرنسا وتضعف نفوذها في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

وهذا ما سيضطرها إلى مفاوضة المغرب وتونس حول استقلالهما على أن تحتفظ بالجزائر لأسباب كثيرة.

هذا التحالف العسكري في مواجهة المستعمر الفرنسي سيتعزز بتحالف سياسي بين حزب الاستقلال (الجناح التقدمي) وجبهة التحرير الجزائرية وحزب الدستور التونسي.

كان من أول أعماله التنسيق العالي بين السلطان محمد بن يوسف و الحبيب بورقيبة و أحمد بن بلة في موضوع استقلال الجزائر.

إذ سيلتزم محمد الخامس على هامش لقاء مدريد بالسماح بحرية تنقل الأسلحة والحدود على الحدود المغربية الجزائرية( بن بلة الحلقة 6 من شاهد على العصر).

في 1956 ستعمل السلطات الفرنسية على اختطاف طائرة جزائرية قادمة من الرباط ومتوجهة إلى تونس ضمت قادة جبهة التحرير الجزائري وهم أحمد بن بلة ومحمد خيضر وحسين آيت أحمد ومحمد بوضياف ومصطفى الاشراف.

وحسب بن بلة في شهادته على العصر لقناة الجزيرة (الحلقة السادسة بتاريخ 11 شتنبر 2016) فإن الوفد الجزائري كان في ضيافة الملك محمد الخامس بقصره بالرباط لإطلاعه على مدى تقدم المفاوضات مع السلطات الفرنسية ثم توجه لنفس المهمة مع التونسيين قبل حدوث الاختطاف.

حدث الإختطاف سيتمخض عنه إحداث نواة المؤسسات الدائمة لإتحاد المغرب الكبير على إثر عقد الأحزاب المغاربية لمؤتمر المغرب الكبير بطنجة في نفس السنة.

كما كان من نتائج هذا التعاون السياسي هو حفاظ النظام السياسي للمغرب وتونس على الحياد تجاه صراع قادة المقاومة الجزائرية بعد ستقلال على إثر معاهدة إيفيان.

إذ رغم أن حكومتي المغرب وتونس استقبلتا الحكومة الجزائرية المؤقتة بقيادة يوسف بن خدة فإن النظامين لم يتخذا موقفا سلبيا من الجناح الثوري للمقاومة الجزائري الذي سيؤسس مكتبا جديدا لجبهة التحرير برئاسة بنبلة و رابح بيطاط ومحمد الخيضر ومحمدي السعيد وبوضياف و آيت أحمد والتي ستسقط حكومة بن خدة اللاجئة إلى تيزي وزو ثم فرنسا. ( بن بلة، الحلقة 9 من شاهد على العصر بتاريخ 02 اكتوبر 2016).

وعندما ستتسلم جبهة التحرير الوطني الحكم بالجزائر في شخص أحمد بن بلة ساعد نظام المغرب وتونس في دعم حكومة بن بلة الذي ورث جزائر ضعيفة اقتصاديا وبنيويا بالمال والخبرات الفنية والدعم السياسي على قاعدة الاستقلالية وحسن الجوار.

السؤال الملح اليوم هو كيف نستثمر هذا الرأسمال المشترك لربح الحاضر والمستقبل.

يقدم ما سبق مؤشرات يبدو أن الطرف المغربي يعمل بها و يسعى إليها الاتحاد الاشتراكي كامتداد لحركة التحرر الوطني وفاعلا فيها من خلال مكتب جيش تحرير المغرب العربي ومن خلال الآلية السياسية لمكتب المغرب الكبير.

أطلق الملك محمد السادس نداء للجزائر بإحداث آلية سياسية مشتركة لمناقشة العلاقات وتذليل الصعوبات بين البلدين وهي الدعوة الذي ثمنها المجاهد عبد الرحمان اليوسفي كواحد من صناع التاريخ المشترك بين المقاومة المغربية وجيش التحرير الجزائري في نداء موقع باسمه،

قبل أن يقترح على قيادة الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تنظيم مهرجان وطني من الحدود المغربية-الجزائرية تحضره شخصيات تاريخية من مقاومتي البلدين وشخصيات سياسية كالسيد الطيب البكوش الأمين العام لاتحاد دول المغرب الكبير و السيد عبد الواحد الراضي رئيس اللجنة النيابية الموضوعاتية حول المغرب الكبير و عدد من السفراء وممثلي الدول بالبلدين.

في هذا المهرجان الوطني الذي سيحضره جزائريون ومغاربة وتونسيون صنعوا في الخمسينيات والستينيات "وحدة مغاربية" عسكرية وسياسية، والذي يشرف عليه الإتحاد الإشتراكي كامتداد لحركة التحرر الوطني، 

والذي سيصدر عنه نداء مشترك موجه لقيادتي البلدين بالعمل الحثيث من أجل التقارب لربح الحاضر،

سينطلق المجتمعون من عناصر و دعامات تاريخية مهمة بإمكانها المساعدة في التقارب.

سينطلق المجتمعون من التاريخ النضالي المشترك بين البلدين سواء بين المقاومة المغربية وجيش التحرير الجزائري، وبين السلطان محمد بن يوسف و الحسن الثاني ونظام أحمد بن بلة، وبين حزب الاستقلال الجناح التقدمي و جبهة التحرير الجزائري.

وسينطلقون من مكتسبات مكتب جيش تحرير المغرب العربي، ومكتب المغرب الكبير الآلية السياسية التي قربت بين الدول المغاربية الثلاث المغرب والجزائر وتونس سياسة وجغرافيا.

إن الأطراف الثلاث التي نجحت أن تتحرك بمقاوميها وأسلحتها ورجالها بين حدود الدول الثلاث و تحدث أنوية ومواقع عسكرية دون تأشيرات ودون حواجز جمركية بإمكانها اليوم بناء وحدة مغاربية قد تساعد على بناء سوق اقتصادية كبيرة و قوة عسكرية مشتركة و سياسة نقدية وخارجية مشتركة.

وكيفما كانت الأحوال فهذا المهرجان الوطني سيساعد في إنضاج الشروط لتقارب بين البلدين تكون مقدمته فتح الحدود بين البلدين في انتظار خطوات أخرى تؤسس للوحدة المغاربية.

كان هذا حلم محمد الخامس و أحمد بن بلة و الحبيب بورقيبة وقادة جيش التحرير الجزائري والمقاومة المغربية ثم قادة جبهة التحرير الجزائرية وحزب الاستقلال الجناح التقدمي وحزب الدستور التونسي،

وربما ينجح نداء الملك محمد السادس و جواب النظام الجزائري عبر بوابة اتحاد المغرب الكبير و الوساطة التونسية، ومبادرة الاتحاد الاشتراكي عبر قائده التاريخي المجاهد عبد الرحمان اليوسفي ربما سيليها تجاوب من جبهة التحرير الجزائرية الحزب الحاكم بالجزائر، في تحقيق حلم الوحدة المغاربية التي تتوق إليها شعوب المنطقة.