تقرير مفصل عن ندوة القراءات القرآنية باشتوكة أيت باها

الحسين أكروم:

نظم المجلس العلمي المحلي لإقليم اشتوكة أيت باها ندوته السنوية بالمركب الثقافي سعيد أشتوك بيوكرى يوم الخميس 15 نونبر 2018 والتي اختار لها عنوانا مستوحى من الإرث التاريخي العلمي التي تتميز به اشتوكة أيت باها وهو: القراءات القرآنية باشتوكة أيت باها -المدارس الأعلام والمصنفات- . 

وقد أحسن المجلس العلمي صنعا لما أهدى عروض هذه الندوة العلمية المباركة إلى روح الفقيه سيدي محمد أيت سيدي علي الرسموكي فقيه مدرسة بنكمود باعتباره من كبار المقرئين باشتوكة أيت باها، وخاتمة المدرسين فيها للقراءات القرآنية، وحسبك أنه تخرج على يديه رحمه الله المئات من الطلبة طبقاً عن طبق. 

وحضر في هذه الندوة عدداً من رؤساء المجالس العلمية بالجهة، ومندوبي الشؤون الإسلامية، فضلاً عن طائفة من القراء، والفقهاء، والطلبة، وبعض المهتمين بعلم القراءات وتاريخها بسوس، وخُصص جانباً للطالبات الباحثات والمرشدات والواعظات، فغصت كل جنبات قاعة المركب الثقافي بالحضور، وامتلأت عن آخرها. 

هذا وقُسمت محاور وفقرات الندوة إلى أربع جلسات، الأولى: افتتاحية رسمية، والثانية والثالثة علميتان، ضمتا ست محاضرات، والأخيرة ختامية. 


محاور الجلسة الافتتاحية: 

بعد افتتاحها بآيات بينات من الذكر الحكيم استعرض الدكتور الحسن رغيبي رئيس المجلس العلمي لاشتوكة أيت باها، وأستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة؛ أمام الحضور ورقة مركزة حول تاريخ القراءات باشتوكة، وأشهر أعلامها، وأهم مصنفاتهم في ذلك العلم، موضحاً أسباب استمرار الحفاظ عليها خلفاً عن سلف، وجيلاً عن جيل منذ أحقاب مديدة، حتى اشتهرت مقولة "مسجد" تبين موقع السوسيين في العناية بالقراءات بمعية أقطار أخرى، فيرمزون بالميم: إلَى مسفيوة، والسين: لسوس، والجيم: لجبالة، والدال: لدكالة. 

ثم سلم هو الكلمة للسيد المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية باشتوكة أيت باها الدكتور محند أيت محمد فاستعرض في كلمته تلك؛ تاريخ القراءات بالغرب الإسلامي ومشاهير المصنفين فيها، والشروط العلمية لأدائها، وطرق أخذ الرواية عند المغاربة، ثم عرج على عناية الهشتوكيين بالقراءات. 

بعدها سلم رئيس الجلسة الدكتور لحسن رغيبي الكلمة لنجل المحتفى به سيدي خالد أيت سيدي علي وأحسن في عرض مداخلته حول مجهودات والده سيدي الحاج محمد في نشر القراءات القرآنية بمدرسة بنكمود، ولم يفته سرد مختلف مراحل نشأته العلمية وشيوخه الذين درس عليهم، ومنهجه في التدريس. 

بعدها تسلم الكلمة العلامة الدكتور اليزيد الراضي رئيس المجلس العلمي بتارودانت وتناول بالدرس والتحليل موضوع: "القراءات القرآنية باشتوكة أيت باها بين دواعي الاستمرار وأسباب الاندثار". استعرض في مقدمته مدى عناية السوسيين بضبط القراءات رواية ودراية كأحمد أنجار البوجرفاوي، ومحمد أعجلي، والهواري، والخياطي، ونظراؤهم، ثم عرج على التعريف بأهم المدارس القرآنية بهشتوكة، مع تركيزه على أهم دواعي استمرار مدراسة القرآن بهشتوكة، كاشفاً في مسك ختام كلمته عن بعض أسباب الاندثار. 

غير أن ما يثير الانتباه في مداخلة أديب سوس وشاعرها الدكتور سيدي اليزيد الراضي لما استعرض الأسباب الستة في استمرار القراءات بسوس، فأورد قصة واقعية فقال عاطفاً على الأسباب الثلاثة: رابعها: انعدام التشجيع والإغراء.. فأورد قصة القائد عبد المالك المتوكي الذي له عناية خاصة بالقرآن الكريم وقراءته، فقد أغرى الناس بحفظ القرآن، وتحصيل قراءته بأسلوب حضاري عجيب، حيث وعد من حفظ القرآن برواية ورش عن نافع أن يحرره من الكلف والوظائف التي يرتبها على سكان إيالته. 

ومن حفظ القرآن برواية ابن كثير المكي يحرره مع سكان دواره من الكلف والوظائف، ومن حفظ القرآن برواية البصري أبِي عمرو بن العلاء يحرره مع سكان قبيلته من الكلف والوظائف، وتعجب الحاضرون من هذا التشجيع الحضاري لمدارسة القرآن، وبمداخلة رئيس المجلس العلمي لتارودانت تنتهي الجلسة الافتتاحية الرسمية. 


فصول الجلسة العلمية الأولى: 

بعد أن تناول الحاضرون مكسرات وحلويات ومشروبات في بهو المركب الثقافي؛ استأنفت الجلسة العلمية الأولى برئاسة فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم الوافي رئيس المجلس العلمي المحلي لإنزكان أيت ملول فاستهل تقديمه بتهنئة المجلس العلمي لاشتوكة باختيارهم الدقيق لدراسة موضوع القراءات القرآنية موضوعاً لندوته السنوية منوهاً بحسن التسيير، ودقة التنظيم، فاتحاً باب المداخلات العلمية بموضوع "القراءات القرآنية في اشـتوكة أيت باها عبر التاريخ" للحسين أكروم وهو مرشد ديني بإقليم اشتوكة . 

فاستعرض الأخير في مداخلته حفريات تاريخية عن تاريخ دخول القراءات إلى أشتوكن وبين أن علي أيوب دخل أحد آبائه في القرون الأولى من الشياظمة إلى هشتوكة فأنزلوه في أيت صواب فبنوا له هناك منزلاً، وتفرع عن هذه الأسرة 36 عالماً أغلبهم مقرؤون، ثم عرج على ذكر بعض الأعلام الذين أسسوا المدارس الأولى للقراءات كسيدي مسعود بن علي الهشتوكي، المتصدر بماسة بتيكيوت لتجويد القرآن، والمتوفى سنة 1037هـ. وسليمان الهشتوكي، القارئ المشهور المعمر المتواضع، المتوفى سنة 1058 هجرية . 

كما بين أن اسم هشتوكة يطلق على مناطق عدة في سوس غير المعروفة الآن واستند في ذلك على إجازة لأبي العباس أحوزي المتوفى سنة 1127 هـ، والذي وسمه شيخه ابن ناصر فيها بالهشتوكي بالرغم من أنه من دوار أيت منصور بتافروات شأنه في ذلك شأن أبو العباس أكنسوس الذي نعته شيخه أبو العلاء المنجرة في إجازة خاصة له بالهشتوكي رغم أنه من إدا وكنسوس وهي منطقة بتارودانت، وأفاده بفحوى هذه الإجازات صديقه الدكتور محمد الصالحي. 

وذكر في مداخلته أكثر من عشرين مدرسة مشهورة بالقراءات، وتخرج فيها المئات من القراء السبعيين بل العشريين؛ أشهرها مدرسة تيزي لْـتْنِين، وتكاض، وسيدي سعيد الشريف، وأبي السحاب، وسيدي أبي الرجاء، وسيدي بيبي، وسيدي امزال، وأسرسيف، وإمي نسبت، وغيرها. 

كما جعل مسك ختام مداخلته بإحصاءات رقمية حول عدد المدارس الموجودة في اشتوكة: منها مـدرسة 32 منها تمتزج بين حفظ القرآن والعلم الشرعي، و 22 منها قرآنية، و 18 منها فارغة، و9 تابعة لنظام التعليم العتيق، فيكون عدد المدارس باشتوكة 82 مدرسة، أما عدد الطلبة في المدارس غير التابعة للنظام فهو 1396 والتابعة له 1040 طالب، فيكون مجموع الطلبة في كلا النظامين 2436 طالب. 

وبعد مداخلته ألقى الفقيه الدكتور سيدي جامع البيض عرضاً علمياً مركزا حول مناهج القراء وطرقه عند القراء الهشتوكيين". ممهدا محاضرته بالمنهج السائد عند السوسيين في تدريس القراءات . 

فقال مبيناً مسلكه في عرضه: "وأجملت منهج القراء السوسيين في نقط، وهي: وذكر منها تسعة أولها الاعتماد على رواية ورش والبداءة بها، ثانيها: ترتيب القراء عند الهشتوكيين والسوسيين عامة، ويقصد بذلك البداءة بقراءة ورش أولاً، ثم قالون، ثم رواية المكي . 
وقد شرح إمام مسجد الشهداء بأيت ملول الدكتور سيدي جامع منهج تدرج القراء السوسيين بعد ذلك فقال: "فإذا حفظ حرفيهما جمع إليهما حرف أبي عمرو البصري براوييه، ونقول:" يقرأ بالبصري أو سما"، فإذا أتم حفظ الحروف الثلاثة جمع إليها حرف ابن عامر الشامي من راوييه كذلك، ثم الأحرف الثلاثة الباقية، وهنا يختلف بعض السوسيون مع غيرهم، إذ المغاربة يجمعون الأحرف الأربعة برواياتها الثمان بعد ضبط مدلول "سما" دفعة واحدة. ويقولون يقرأ بالشيخ، أو سيدي حمزة. وبعد الانتهاء من السبع، ينتقلون إلى العشرة، وهو ما يصطلح عليه المغاربة بالعشر الكبير، ثم يجمع معها العشر الصغير، ويسمى حينئذ يقرأ بالعشرين. 

ثالثها: الجمع والإرداف فخلص فيه إلى أن طرائق جمع القراءات ثلاثة: مذهب الجمع بالحرف، ومذهب الجمع بالوقف، والمذهب المركب. ولكل شرحه وتفصيله. ومذهب الهشتوكين والسوسيين عامة، هو المذهب الثالث: المركب من المذهبين. رابعها: إقراء القراءات من خلال الألواح خامسها: تثبيت المحفوظ ومراجعته سادسها: الأنصاص القرآنية القرائية سابعها: المحافظة على الطرق النافعية، ثامنها: استعمال الرموز، جاعلاً مسك ختام هذه المناهج بالالتزام بوقف الهبطي، مدعماً منهج تدريس القراءات بنقول استقاها من الأصول العلمية لمصادر القراءات، وآراء وأقوال لمشاهير كبار القراء في الغرب الإسلامي عامة، وعند السوسيين خاصة. مذيلاً مداخلته العلمية بعدد من الفوائد والنتائج التي توصل إليها في بحثه المذكـور. 

بعد ذلك تناول الكلمة الفقيه الباحث محمد مستقيم البعقيلي في موضوع: (القراءات القرآنية والتعريف ببعض أعلامها في إقليم اشتوكة أيت باها) تطرق فيها للحديث عن القراءات القرآنية بقبائل الإقليم، وركز على العناية التي توليها ساكنة الإقليم للقرآن الكريم وقرائه وطلبته وحفظته، دون إغفاله اهتمامهم بتشييد المساجد، والمدارس العتيقة عموماً، والمدارس القرآنية على وجه الخصوص، وذكر نماذج من تلك المدارس والمساجد ليخلص في الشطر الثاني من مشاركته إلى التعريف ببعض مشاهير القراء الذين أنجبهم الإقليم ابتداء من القرن الهجري العاشر إلى أوائل القرن الخامس عشر، فعرَّف بمجموعة من هؤلاء الأعلام أمثال: 

- القارئ المقرئ الشيخ موسى بن أحمد التودماوي الصوابي المتوفى 1003ه‍، وهو من الشيوخ الذين أخذ عنهم السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي القرآن في مرحلة دراسته الابتدائية. 

- القارئ المقرئ أحمد بنسعيد الشگوتي الهشتوكي المتوفى 1014هجرية‍. 

- القارئ المقرئ أحمد بن إبراهيم الرباطي الماسي المتوفى نحو 1025ه‍. 

- القارئ المقرئ موسى بن ييبورك الواسكاري الوادريمي المتوفى 1108ه‍. 

- القارئ المقرئ إبراهيم بن أحمد (بلفقيه) الأغبالوي الماسي الذي نشر القراءات العشر في بلاد الحوز والمتوفى هناك نحو 1368ه‍. 

وعقدت على التو الجلسة العلمية الثانية تحت عنوان: المدارس القرآنية باشتوكة أسانيد ومصنفات برئاسة الدكتور محمد البوشواري أستاذ التعليم العالي بكلية القانون بأكادير، وعضو المجلس العلمي المحلي لاشتوكة أيت باها، وقسمت كالأولى إلى ثلاث مداخلات علمية؛ الأولى للدكتور محمد الصالحي شارك بموضوع: "أصـول أسانيد القراء الهشتوكيين في القراءات القرآنية" وألقاه نيابة عنه فضيلة الدكتور الأستاذ حسن تقي الدين أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم الشرعية بالسمارة، ونائبه كهو. 

وقد بين الباحث في مستهل مداخلته أن الإجازات العلمية في بداية ظهورها كانت شفاهية ثم توسع الإذن من الشفاهة إلى التحرير ولم يعرف هذا النوع من الإجازة في سوس إلا في نهاية القرن العاشر الهجري، ومثَّل بإجازة الشيخ محمد بن يوسف الترغي لتلميذه محمد بن علي الأنساوي، والتي اعتبرها الدكتور محمد الصالحي أقدم إجازة كتابية لحد الآن، خلافا لما ذهب إليه المختار السوسي الذي يرى أن السوسيين لم يكن اهتمامهم بالسند إلا بمجيء أبي زيد التمنارتي الذي أوصل جميع حلقات العلوم بعضها ببعض كما في كتابه الفرائد الجمة . 

ثم عرج صاحب كتاب الدراسات القرآنية بسوس من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر الهجري على أهم طرق الإسناد التي يروي بها القراء الهشتوكيون أسانيدهم؛ فذكر منها ثلاث طرق الأول: طريق ابن غازي يروي عنها العلامة أحمد بن علي الهشتوكي وهو من أعلام القرن العاشر، وكان مثابرا مجداً إلى أن توفي بإسغركيسن سنة 983 هجرية. 

ومن مشاهير الآخدين عن هذا الطريق كذلك؛ الشيخ أحمد بن علي الهشنوكي الركراكي المدويني المتوفي سنة 956 هجرية، نسبة إلى "إمدوين" اسم القبيلة التي تقطن بها أسرته في أيت صواب. له كتاب في القراءات القرآنية سماه: ري العطشان في رفع الغطإ عن مورد الظمآن وذكر الباحث أنه وقف على نسخة منه بخزانة آسفي أوضح فيها بعض الأسباب الداعية إلى تأليفه قائلاً: 

"وبعد فإنني رأيت المبتدئين في الوقت اعتنوا بحفظ مورد الظمآن فصعب عليهم فهم معانيه لقصورهم في علم العربية واللغة، ولقلة شرّاحه، ولقد شرحه أبو عبد الله المجاصي شرحاً لا يشفي غليلاً ولا يرد عليلاً وشرحه الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد الصنهاجي المعروف بابن آجطا شرحاً جليلاً. وقد حضر ناظمه وقرأ عليه، ولكن شرحه قليل الثمرة، طويل العبارة، كثير البحث، فرُبّ أحد لا يقدر على تحصيله لقصور فهمه في العربية.. فرأيت أن أختصر منه بالكتابة شرح الألفاظ، وإتمام النقص، وتقييد المطلق، بلفظ سهل مسترسل موجز، ليسهل فهمه على المبتدئ، والمنتهي غني عنه إلا على وجه التذكرة، وأضفت إليه ما سمعته عن شيخي المحقق أبي عمران موسى بن محمد الجزولي وقيدته عنه..". وقد تعمدت نقل هذه المقدمة بطولها باعتبار هذا المصنَّف غير مطبوع وغير متداول فناسب أن يعرفه الباحثون هنا، عل بعض المتخصصين يشتد شوقه للكتاب فيحققه. 


وذكر كذلك عدداً من القراء الذين تتصل روايتهم بابن غازي كمسعود بن علي الهشتوكي نزيل ماسة والمتوفّى سنة 1037 هجرية وكذا العلامة إبراهيم بن سليمان الهشتوكي شيخ الجماعة في القراءات توفي ببلدته هشتوكة سنة 1059 هجرية، وكذا العلامة المقرئ محمد بن إبراهيم الهشتوكي المنحذر من قرية أيت إبراهيم ءُوموسى في هشتوكة، الذي وصفه تلميذه اليوسي بالفقيه العالم الإمام المتقن، توفي سنة 1098 هجرية، وذكر عدداً من القراء الهشتوكيين كأحمد البوسعيدي وغيره من الذين تتصل أصول أسانيدهم الإقرائية إلى ابن غازي. 

أما الطريق الثاني فهو طريق ابن القاضي وأشهر من يروي عن هذا الطريق من القراء الهشتوكيين أبي عمران موسى بن بيروك الأسكاري الهشتوكي رحل لفاس بعد أن أخذ القراءات ببلده، وأخذ هناك عن أبي زيد ابن القاضي الذي ختم عليه ختمتين جمع فيها بين قراءات الأئمة السبعة المشهورين، وقد أدرج في قراءته الإدغام الكبير لأبي عمرو بن العلاء، وكل ذلك بطريق التيسير للداني، وبالشاطبية، وذكر أن الحضيكي اعتبر أبي عمران الهشتوكي أول من أدخل الوقف الهبطي لسوس. 

وذكر الباحث كذلك عدداً من القراء في هذا الطريق كأحمد أحوزي، واليحسوبي سيدي الحسن بن عبد الله بن سعيد الهشتوكي وأحمد بن علي الهشتوكي البوسعيدي المتوفى سنة 1046 هجرية، وطائفة من الذين معهم. 

أما الطريق الأخير فهو طريق شيخ القراء في المغرب عبد السلام الفاسي ويعتبر الشيخ أبو العباس بن عبد الله الهشتوكي من أشهر الهشتوكين الذين لازموه فقرأ عليه سبع ختمات في حدود سنة 1195 هجرية، ولازمه في أماكن أخرى، وكان الهشتوكي المذكور سبباً في تأليف شيخه الفاسي منظومة في بعض أوجه المد التي اختلف فيها قراء سوس وبإيعاز منه تم تأليف رسالة في الوقف الانتظاري، وأجازه شيخه في القراءات السبع، ومن أعلام هذا الطريق أيضاً سيدي مبارك بن محمد أمارا المحمودي الهشتوكي وغيرهم من القراء. 

واستنتج الدكتور محمد الصالحي في ختام مداخلته بأن هذه الطرق الثلاثة هي المتداولة وعنها تفرعت شبكة أغلب الطرق الإقرائية للقراء الهشتوكيين، ولاحظ أن العد التنازلي لتراجع السند بدأ مباشرة بعد رحيل أصحاب الشيخ عبد السلام الفاسي. 

ثم سُلمت الكلمة بعده إلى المحقق الدكتور الحسن مكراز أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة ليتناول بالدرس والتحليل موضوع: "مصنفات القراء الهشتوكيين في علوم القرآن القراءات القرآنية نموذجاً" مستعرضاً فيه طائفة من المصنفات السوسية فِي علوم القرآن عامة، وعند الهشتوكيين خاصة. 

وقد بين الدكتور مختلف كتب دقائق القراءات ومستغلقاتها عند القراء الهشتوكيين، والتي تشهد على تضلعهم فِي ذلك العلم، كأحمد بن علي بن عبد المالك الهشتوكي المتوفى سنة 965هـ، له شرح على مورد الظمآن للخراز سماه: ري العطشان، وكذا أحمد بن علي البوسعيدي له منظومة فِي عدد سور القرآن، ومبارك بن محمد أمارا الهشتوكي له رسالة فِي أحكام القراءات، وأصول السبعة توفِّي قبل سنة 1320هـ، وأحمد بن محمد بن مبارك الأمرابطي الماسي كان حياً سنة 1312هـ، له منظومة هداية الطالبين وتذكرة المقرئين، وأخرى فِي عدد سور القرآن وآيه وحروفه ونقطه. 

وقد مزج في مداخلته مصنفات الهشتوكيين في القراءات ببعض الرسائل المتبادلة بين القراء، والمراسلات العلمية في القراءات، والإجازات الخاصة، وأسانيد الرواية، والكنانيش المتنوعة، واعتبر ذلك لوناً آخر من ألوان التصنيف عند القراء الهشتوكيين. 

ومن أهم ما أثار انتباه السادة الحاضرين -فضلاً عما ذكر- ذلكم الكتاب الذي ذكره الدكتور الحسن مكراز عضو المجلس العلمي باشتوكة أيت باها؛ في القراءات القرآنية للشيخ الدكتور سيدي محمد مبارك جميل حول: القواعد الأدائية في القراءات السبع من طرق الشاطبية وكشف للحضور خطته حيث قسمه المؤلف إلى أربعة مباحث، الأول حول أهمية قواعد الأداء لدى القراء السبعة، والثاني: يروم بيان اختلاف القراء في فرش الحروف، والثالث: يبين الأوجه المقدمة في الأداء عند القراء السبعة، والأخير وقف حمزة وهشام على الهمزة، وأشار في الأخير بأنه مشروع كتاب. 

وبعد ذلك عرج على التعريف بشيخ القراء في سوس العلامة الدكتور سيدي محمد مبارك جميل رغم أن المعرَّف لا يُعَرَّف، حيث ذكر في مداخلته أنه حفظ القرآن في مساجد البلدة عند شيخه سيدي الحسن البوطيبي، وسيدي أحمد البعمراني بدوار تونف بقبيلة أيت بكو، وختم القراءات العشر على الشيخ خالد محمود محمد علي، وتلقى رواية ورش على الشيخ عامر عثمان شيخ شيوخ عموم المقارئ المصرية، وأخذ قواعد التجويد على الشيخ محمد يوسف سليمان. 

ولم يقف الأمر بالدكتور الحسن مكراز عند حد ما في بطون الكتب؛ بل قام باتصالات مع بعض الأسر العلمية بالإقليم حتى عثر على بعض كتب القراءات المخطوطة عند الأسرة الوسكارية بقبيلة إكي واسكار نواحي أيت فلاس بجماعة أيت وادريم بهشتوكة، وغالب من هناك هم أحفاد سيدي موسى الوسكاري دفين المنطقة وضريحه يزار قرب المدرسة الوسكارية، ويعرف محليا "بسيدي موسى ويزورن" وهو الجد الرابع لوالدة الأستاذ الباحث شجيد حسن من جهة أمه، فأمده الأخير بمعلومات دقيقة حول فحوى بعض كتب القراءات التي توجد في خزانة أجداده. 

كما أشاد ببعض الدراسات الجامعية في علوم القرآن ككتاب الدراسات القرآنية بالمغرب للدكتور إبراهيم الوافي مبيناً الجهود التي بذلها المؤلف في جمع المصنفات والتعريف بالمدارس وعقد التراجم للأعلام، واستقى منه بعض مسائل مداخلته. 

ثم بعد ذلك شرع الدكتور الحسن الوثيق، وهو أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، إنزكان في محاضرته التي سماها: الرحلة العلمية و تحصيل القراءات القرآنية بإقليم اشتوكة أيت باها"؛ مستهلا إياها بتمهيد عام تضمن التأصيل للرحلة في طلب العلم، والإشارة إلى حرص السلف على تحقيقها، وسرد بعض فوائدها، وذكر طرف من مشاقها. 

بعد ذلك كشف عن خطة عرضه المشتمل على خمسة محاور: 

1) مراكز القراءات التي كانت وجهات الرحلات في الإقليم: فقبائل هشتوكة وماسة تضم مدارس كثيرة عرفت بتحصيل القراءات بأصولها ووجوهها. 

2) عوامل الرحلة إلى مراكز القراءة بالإقليم: 

1. هناك عوامل عامة، تتعلق بطلب القراءات عامة، وتتمثل في الرغبة في التحصيل، وتعظيم القرآن الكريم والرغبة في نيل ثواب حفظه، والتنافس المحمود لأجل تحسين المركز الاجتماعي. 

2. وعوامل خاصة: تخص الرحلة إلى مراكز القراءة في قبائل اشتوكة وماسة. ونذكر منها: تركز مدارس القراءات وأساتيذها في هذا الإقليم؛ وكثرة قبيلتي شتوكة وماسة، وتوفرهما على"ثروة عظيمة"، وعلى "أسواق عظيمة" يردها أهل الآفاق؛ والصيت الحسن الذي لمدارس هاتين القبيلتين، بفضل سمعة أساتيذها، وسعة صدر سكانها وتوفيرهم الحاجات الضرورية للطلبة، وتوقيرهم التام للمسجد والمدرسة. 

3) مسارات الرحلة إلى مراكز القراءة بإقليم شتوكة (من خلال عينة تتألف من عشرين قارئا) 

وقد صنفت هذه العينة كما يلي: 

1. الإقليم مستقبِلا: 

‌أ. الوافدون على الإقليم للأخذ، وقد بلغ عددهم عشرة، وهم مرتبون عدديا كما يلي: أيت باعمران، لاخصاص، كسيمة، أمانوز. 

‌ب. الوافدون على الإقليم للعطاء، وهو مقرئ واحد قدم من أيت باعمران. 

2. الإقليم مصدرا: 

‌أ. النازحون عن الإقليم للأخذ، وقد بلغ عددهم اثني عشر، كانت وجهاتهم على الترتيب: أكلو، لاخصاص، أيت باعمران، كسيمة، قلعة السراغنة، حاحا، مصر . 

‌ب. النازحون عن الإقليم للعطاء، وهم خمسة، وقد كانت وجهاتهم على الترتيب: أيت باعمران، حاحا، لاخصاص، كسيمة. 

4) أما أثر الرحلات العلمية في نشر القراءات القرآنية بإقليم اشتوكة أيت باها: 

فقد كشفت المعطيات التي تمت معالجتها عنكون الرحلة من أقوى مشيرات تغير وضعية القراءات في الإقليم مدا وجزر؛ فكلما نشطت الرحلات اتسع انتشار القراءات وغَزُرَ، وكلما ضعفت انحسر ذلك الانتشار وجَزَرَ. ما جعل الرحلة ترتقي إلى مستوى (العامل المتحكم). 

وقد تجلى تأثيرها في جانبين، كمي وكيفي : 

أ‌. فالجانب الكمي يتمثل في تكثير مراكز القراءات في الإقليم،وتكثير سواد القراء، والمقرئين فيه؛ 

ب‌. والجانب الكيفي:يمثل في تخريج أفواج من متقني القراءات. 

5) وأما ما يتصل بالواقع الحالي للقراءات بالإقليم، فالظاهر أنها ازدادت ضعفا وانحسارا، فهي في وضع قاتم ونفق مظلم كذلك الذي رسمه العلامة السوسي رحمه الله منذ عقود من السنين. 

خاتمة: 

لا شك أن الرحلة العلمية من الأسباب المباشرة المسؤولة عن وضع القراءات المذكور في الإقليم ومن أسباب ذلك: قلة الطلبة الذين ينشدون هذا الفن، وقلة أو انعدام الاستعداد للرحلة والتضحية، وغير هذا مما يطول ذكره. فهل يأتي يوم تعود فيه الحياة إلى مجاريها ويتسلم القوس باريها. 

الجلسة الختامية: 

بعد انتهاء الجلسة الثانية؛ عقدت على الفور الختامية برئاسة رئيس المجلس العلمي لاشتوكة أيت باها الدكتور الحسن رغيبي فشكر السادة رؤساء ومناديب الجهة على تجشمهم عناء السفر، وكذا الباحثين الذين شاركوا في الندوة، ومعهم كل من أسهم في إنجاح ندوة القراءات القرآنية، ثم سلم الكلمة للفقيه سيدي الحاج عبد الله فقيه مدرسة إبكضي، وعضو الرابطة المحمدية للعلماء، فألقى قصيدة رائعة طنانة حول العناية بالقرآن الكريم فأضافت لجمال برنامج الندوة رونقاً خاصاً. 

بعده ألقى الأستاذ الباحث حسن شجيد توصيات الندوة بأسلوب فصيح مستطرداً طائفة منها استقاها من أفواه المشاركين، ثم تلا الدكتور الحسن مكراز البرقية المرفوعة للملك محمد السادس مؤكداً فيها عناية العلماء السوسيين بالتراث العلمي، وخصوصاً القراءات القرآنية، ومؤكداً تشبثهم بأهداب العرش العلوي ، وقبل أن يختم فقيه مسجد النور ببيوكرى الأستاذ عبد اللطيف وطني الندوة بالدعاء الصالح؛ كشف رئيس المجلس العلمي المحلي عن عنوان الندوة السنوية المقبلة وهو: عناية السوسيين بالحديث النبوي رواية ودراية، ثم خُتم بالدعاء الصالح لمولانا أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله وأعزه .