مبادرة "كرز أيدانك" وإشكالية التنزيل

الحسن بنضاوش:

مع إشكالية تحديد الملك الغابوي التي عرفتها مناطق أدرار منذ سنوات دون أن تسير في اتجاه الحل، وما عاشته مؤخرا المنطقة من اصطدامات وأحداث عنيفة واللانسانية مع الرعاة الرحل ، وفي إطار المصالحة مع الأرض ، تظهر مع كل بداية موسم الحرث حملة  مبادرة" كرز ايدانك" أو احرث أرضك أو ملكك الخاص في مسقط رأسك ، وهذه السنة تعيش دورتها الثالثة.

ومنبع هذه الفكرة في الأصل كان في الفضاء الأزرق بالانترنيت، في تفاعل مع الأحداث والمشاكل التي يعيشها أدرار عموما ، والإجماع على أن الحرث واستغلال الأرض والتفاعل معها هي الحل الأنسب والأنجع لهذه المشاكل العويصة والمعقدة والتي أصبحت تندر بمزيد من الاحتقان والاصطدام ما لم ترى حلا في القريب العاجل ، من طرف شباب وفعاليات جمعوية ومدنية بالمدن تحن إلى المنطقة وتحلم بأدرار كله زرع وشعير كما كان في الماضي البعيد، إلا أن هذه الفئة من الداعين إلى حملة " كرز أيدانك" يعيشون بالمدن الكبرى للمملكة أو في الخارج وأغلبهم مع عائلته ودويه ، يمارسون التجارة أو الوظائف العمومية وشبه عمومية مما يجعلهم في ارتباط قوي بمكان التواجد والعمل خاصة في فترات العمل المعروفة ، مما يصعب معه ترك التجارة أو الوظيفة لتفرغ إلى الحرث ولو لأسبوع فقط أثناء فترة الحرث الموسمية ، وهذا ما يطرح سؤال نجاعة الحملة وصعوبة تنزيلها رغم ما يصاحبها من تعبئة وحملة كثيفة بالمواقع والصفحات من أجل التحسيس والتعريف بها .

وإشكالية اعمار الأرض ، واستغلالها بالمنطقة الجبلية تطرح السؤال العميق لعلاقة أهل هذه المناطق وأبنائها بالأرض، وبما تركه الاجداد من حضارة وبنية الجداول والتي تطلبت أيام وشهور ومشقة الأنفس ، وصعوبة في البناء والتشييد واحداثها حسب المكان والظروف المناخية ، ويؤكد وجود فراغ وانفصام في العلاقة بين الطرفين، والتغني في المقابل بالدعوة إلى تحديد الاملاك ورد الرحل ومحاربة الخنزير البري . ورغم مرور 11 يوم من انطلاق الموسم الفلاحي ، وهطول الأمطار باكرا هذه السنة الا أن المنطقة الجبلية أدرار في تراجع مستمر لمساحة الحرث سواء بالسفح أو سهل الجبل رغم توفر البدور والزرع والإمكانيات المساعدة والمحفزة لعملية الحرث ، بل هناك من المناطق ما لم تحرث الحرث بشكل نهائي مما يندر بأدرار خالية فارغة للحيوانات والوحوش ومجالا للقنص والمحميات وتاريخ عابر وحضارة كانت هناك ومقابر تشهد على مرور الإنسان بها . وفي هذا كذلك مسؤولية الجميع كل في موقعه من أجل إنصاف المنطقة أولا ، وتكريمها بالحياة بعد تفاشي ظاهرة الهجرة إلى المدن والمدن الهامشية والضواحي ، وترك الأملاك والأراضي والأشجار المثمرة تموت في صمت وأمام الملا .

ومسؤولية الساكنة واردة بنسبة كبيرة في إشكالية اعمار الأرض وحرثها مادامت نسبة كبيرة منها لها امكانية مادية للحرث بالمقابل في شكل جماعي أو فردى ، وذلك سيوفر الشغل ويعيد الحياة لادرار والنفع كذلك ، ولما لا تمكين الجمعيات من مبادرات الحرث الجماعي للأراضي المهجورة مع استحضار الاستغلال من أجل المصلحة العامة في إطار التوافق بين الجميع وتحقيق أهداف التنمية المستدامة .

وعلى الدولة كذلك وهي تقف بين الساكنة والرعاة الرحل ، وإشكالية الخنزير البري ، وتغض الطرف عن تحديد الملك الغابوي وأحيانا في انحياز تام يضمن قوتها وأهدافها ، والساكنة التي أحست بالحكرة والضيق والتهجير وعدم الاستقرار والخوف على المستقبل ، أن تجد حلا مناسبا للأراضي الزراعية الغير المستغلة ، في إطار التشجيع على الحرث والتحفيز وإحداث تعاونيات فلاحية ومراعاة المبادرات الناجحة ودعم الفاشلة لرقي بها في إطار تشاركي يضمن الحقوق والواجبات .

ومن المؤسف جدا أن تمر في الطريق الوطنية 1011 ولا ترى إلا نادرا مسنا أو امرأة تحرث ، بينما مساحات عارية يغزوها الغطاء النباتي ويحرثها الخنزير البري ليلا ، وفي المقاهي شباب عاطلون ، ونساء بالضيعات الفلاحية بالهوامش يصارعن لقمة العيش في ظرف لا إنسانية .