المدرسة القروية

بقلم لحسن بنضاوش :

قد يبدو العنوان جغرافيا ، يفصل بين المدرسة حضاريا وقرويا ،وقد يظهر للقارئ أنه تكريس قبلي لاشكالية الموقع في علاقته بالمؤسسة التربوية ، مما يطرح سؤال إختيار العنوان بهذه الصيغة لهذا المقال .

والجواب كما أراه من وجهة نظري ، يكمن بالفعل في إبراز الخصوصية لدى المدرسة القروية ، مقارنة بالمدرسة الحضرية رغم إجماع الأمة على أن المدرسة العمومية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب موحدة من حيث القوانين الجاري بها العمل . 

ولذلك قررت الغوص في المدرسة القروية ، مدافعا عن هذه التسمية الحقيقية لهذه المدرسة ضمن أصناف المدرسة العمومية ، تعيش واقعها الخاص ، وتعرف خصوصية جغرافية وإدارية تستمد من المجال بعض منها ، وتتفاعل معه في إطار مد وزجر حسب الحالة العمومية لقطاع التربية والتعليم بالبلاد . 

وأهم ما يميز المدرسة القروية ، الموقع ، بحيث لا نكاد نرى مؤسسة تعليمية وسط الدوار أو بقرب من المنازل ، منذ أول المدارس في عهد الحماية إلى حين قيام الدولة الوطنية فالمؤسسات حينها شيدت بقرب من الطرق الرئيسية من طرف المستعمر ، إلى حين إعلان حملة الفرعيات فاتضحت رؤية أهل البلاد لهذه المؤسسة العمومية فتمت الموافقة على البناء وتشييد الفرعيات بعد صراع مع الشيوخ والمسنين ورجال الدين ، في أملاك الجموع بعيدا عن الدواويير ،حتى يتم استبعاد شر المدرسة ومن يسكنها من أهل البلاد ، فتجد أغلب الفرعيات في بقع أرضية بعيدة عن السكان وبدون ماء ولا طريق ولا صور خاريجي ، بنايات تصارع الزمن وتعيش التهميش والإقصاء ، بينما المساجد تحضى باهتمام أهل القرى وعناياتهم ، بل أحيانا تعرف السرقة والنهب والتخريب دون أن تكون ضمن أولويات الساكنة . 

ومن حيث العطاء رغم ما يتخرج من المدرسة القروية من أسماء وازنة دخلت عالم الطب والهندسة والتعليم وأمهات الوظائف الكبرى ، فهو جد ضعيف ولا يمكن مقارنته بالمجال الحضري ، فرجل التعليم بالمدرسة القروية يعتبرها بناية وليست مؤسسة ، ومكان لقضاء التلاميذ الأوقات في إنتظار الوصول إلى سن الهجرة والسفر إلى المدن الكبرى للعمل ، ومكان كتب له أن يقضي فيه مدة من الزمن قد تكون في درجة التجنيد الإجباري بصيغة التدريس ، خاصة في مناطق جد نائية لا طرق ولا مواصلات ولا حتى ظروف العيش الطبيعية ، مما يؤثر سلبا على مردودية الإطار التربوي المخير بين الاجتهاد والمثابرة على حساب صحته البدنية والعقلية من أجل التلاميذ ، أو الغيابات المتكررة واختلاق الأعذار من أجل المغادرة إلى أحسن ، مع حرمان الناشئة من حقهم المشروع في تكريس متواصل لتلك الأزمة التربوية بالعالم القروي. 

ولا يمكن إغفال تعامل الدولة للمدرسة القروية التي ترى أنه بالمدرس وبعض المقرارات المدرسية وسبورة لاتصل إلى في منتصف الموسم الدراسي ، ومطعم مدرسي لا يسمن ولا يغني من جوع ، ودريهمات التسيير بعد التعسير ، هي واجبات الدولة تجاه هذه المدرسة الهامشية في الخريطة الجغرافية ، متناسية حرمان التلاميذ من أولويات أخرى لا تقل أهمية من التعليم الأولي وتوفير ساحات مدرسية تغري باللعب والترفيه والتكوين ، وبرامج سنوية لتنشيط والتثقيف وصقل المواهب وخزانات مدرسية لنشر العلم والمعرفة ، وظروف عيش كريمة ومواطنة للأطر التربوية بالمدرسة القروية . 

وفي ظل هذا الوضع الصعب و المعقد بالمدرسة القروية في الهامش الوطني ، أصبحت هذه المؤسسات القروية تنتج الأمية في صفوف التلاميذ ، وتفتح الأبواب لهجرة الأسر والعائلات بحثا عن عروض دراسية وتربوية لفائدة فلذات اكبادها ، وتؤسس لقرية فارغة ، وعقول لا تتقن إلا البحث عن لقمة العيش والعيش من أجل ربح المال والزواج وتحقيق الأهداف دون العناية بالعقل وسلمة الفكر والتفقه السليم . 

وما ينتظر المدرسة القروية لا يعدو أن يكون اغلاقا كاملا ، والإحصائيات تؤكد من الآن ذلك ، من حيث عدد التلاميذ بالفرعيات والمركزيات ، مما يهدد مستقبل الوظيفة بالتربية والتعليم ، ويندر بانفجار مدن الهامش بتزايد عدد الوافدين وفي مستويات مختلفة ضمن خانة الهشاشة القاتلة والمكلفة والمنتجة لتطرف والغلو والتدمر . 

والبادية التي أصبحت تتغنى الإستقرار البشري في ظل تهديد قوي وقصري بالهجرة ، في حاجة ماسة إلى مدرسة ثورية مواطنة منصفة ، تضمن الإستقرار البشري ، وتؤهل الناشئة لخدمة المجال والاستثمار فيه وإعادة ترتيب مناحي الحياة فيها في إطار برامج وطنية تجعل من الإنسان الهدف الأسمى والغاية العظمى لأجل مغرب يتسع للجميع ويحارب الفوارق ويضمن السلم والاسثتناء الإيجابي العالمي والقاري . 

ولهذا اخترت المدرسة القروية التي لا تعني إلا تلك المدارس القروية بالمناطق الجبلية ، وما تعرفه من تهميش وإقصاء أجمع عليه أهل الدار والإدارة وصناع القرار ، في إنتظار إنصاف حقيقي ، وإنقاذ حقيقي قبل فوات الأوان .