حفريات تاريخية عن "سيدي بيبي" باشتوكة ــ دراسة نقدية

الحسين أكروم بن أحمد الساحلي

تعد قبائل اشتوكة أيت باها من أكثر قبائل سوس احتفاء بالأولياء الصالحين، فدونك موسم الولية الصالحة للا تعلات، وسيدي بيبي، وسيدي سعيد الشريف الإكثيري، وسيدي الحاج الحبيب التنالتي، وطائفة من الذين معهم. 

وقد أبى الإحساس الروحي للهشتوكيين إلا أن يضيفوا قبل سنتين موسماً آخر لقطب وقته؛ الولي الصالح سيدي الحاج أحمد أكرام التاكوشتي الصوابي، فدأبوا على عقد مواسم سنوية بجوار مزارات الأولياء، وأضرحة الصالحين، تبركاً بهم، وتفاؤلاً بصلاحهم، ولهم في ذلك عادات قارة، وتقاليد مرعية، لا يكادون يتجاوزونها إلا بمقدار. 

غير أن أخبار الولي الصالح سيدي بيبي ضامرة خفية في المصادر التاريخية لا تكاد تسمع عنه إلا ما يوسع الاختلاف، ويثير الخلاف، ويدعو إلى الشكوك والظنون، لا سيما وأنه قبره من المزارات المشهورة التي نزل فيها الحسن الأول في رحلته الثانية لسوس، بعد قفوله من كلميم سنة 1303 هجرية كما جاء في كتاب: المعسول 20/261. 

فناسب أن تحرر مقالة تاريخية حول سيدي بيبي لحسم ذاك الخلاف، الدائر بشأنه، وبيان صحيح أخباره من سقيمها. ولا بأس أن نذكركم أيها الأفاضل ببعض ذلك الخلاف في استهلال هذه المقالة. فمن قائل هو ولي صالح، وآخر ابن صغير لنصراني أقبره هناك، فخلف من بعدهم خلف ظنوه دجاجاً رومياً. وانجر الخلاف إلى اسمه فسمي بثلاثة أسماء؛ الطيب، أحمد، عبد النبي، فما هي يا ترى حقيقة سيدي بيبي ؟ 

نبذة عن الولي الصالح سيدي بيبي : 
إن الولي الصالح سيدي بيبي -كما تواترت الأخبار الشفوية- يُظـن أنه من المجاهدين الذين كافحوا ضد الاحتلال البرتغالي لسواحل أكادير في النصف الأول من القرن العاشر الهجري، فيكون بحسب ذلك قد عاصر الأشراف السعديين، إلا أن هذه الإشارة لم أجد من ذكرها في المصادر التاريخية القديمة، ولا في كتب الطبقات والتراجم التي أتت بعده بقرون، فكيف الظن بالتي عاصرته . 

وقد مر على وفاته وفق التأويل المذكور، أزيد من 500 سنة متصلة، ولم يُعرف نسبه، ولا اسمه، فبالأحرى أصله وعصره، حتى ألَّف الأستاذ: الأشقر مولاي أحمد بن المامون السباعي كتابه: "الابداع والاتباع في تزكية شرف أبناء أبي السباع" وقال في معرض تعداده لأولاد بكار السباعي ص/ 101 "منهم الولي الصالح سيدي الطيب المعروف بسيدي بيبي الكائن على الطريق الرابطة بين أكادير، وتزنيت.." وصاحِبُ الكتاب معاصر مات سنة 2012 مما جعل الظنون يستولي عليها ما يشبه الإنكار حول مصدر هذه المعلومة !! لا سيما أنه لم يُظهر ما يُقَوِّي صحة ذلك النسب، ولا بَـيَّن المصدر التاريخي لهذا الانتساب. 

وخالفه صاحب كتاب المؤنس الأنيس في موكب أحفاد المولى إدريس، فذهب في كتابه المذكور ص/ 171 رجماً بالغيب؛ إلى أن اسمه سيدي أحمد بابا البقاري السباعي، ويقال: إنه من فخد أهل المصلوحي، وأن ولده هو الولي الصالح سيدي محمد بن عبد الله الموجود ضريحه بمير اللفت إقليم سيدي إيفني، وقد أقام القائد يرعاه السباعي عند ضريحه أول موسم ديني تجاري..". 

وبعدهما جمع الدكتور مولاي إدريس شداد ورقتين، تحصلت منهما عن طريق فقيه مدرسة سيدي بيبي الآن؛ سيدي "العربي أُوجامْعْ" وسماهما: "نبذة عن حياة الولي الصالح سيدي بيبي" ومال إلى القول الثاني، وزاد عليه قائلاً: "هو أحمد بابا السباعي، وقد ذكرته بعض المصادر بسيدي بيبي السباعي، أما اسم "بابَا" فهو اسم صحراوي متداول كثيراً في هذه الربوع، وقد نطقه السكان بـ: "بيبي" للتصغير، كما يصغرون مثلا عبد الله بـ: "اعبل" ومما يؤكد صحة أصوله الصحراوية؛ وجود قبائل صحراوية بنفس الجماعة، وباقي اشتوكة الغربية، مثل ابن كمود من فخذ أولاد جمودة السباعيين، وتكاض، وأولاد ميمون، من قبيلة الركيبات.." انتهى كلامه. وهذه الأقاويل المتناقضة، والآراء المتضاربة تجعلنا نتساءل: 

هل فعلاً سيدي بيبي أصله سباعي ؟ 
الذي تبين لي بعد النظر والتأمل؛ اختلاف المترجمين في أصل الولي الصالح سيدي بيبي فبعضهم سماه الطيب، وآخرون أحمد، وكذا عبد النبي، وألحقه البعض الآخر بفخد أهل المصلوحي، وأولئك بآل البكار السباعي، وكل هذا يدل على عدم وجود ترجمة له، فادعى كل واحد النسبة إليه. 

كل يدعي وصلا بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكا 

وأنا أشك أنه من السباعيين، وإن وسوست لك نفسك خلاف هذا؛ فتأمل بإمعان تعليل قوله: "ومما يؤكد صحة أصوله الصحراوية؛ وجود قبائل صحراوية بنفس الجماعة، وباقي اشتوكة الغربية.." ولا نستطيع البتة أن نقبل بمثل هذا التعليل؛ بله أن نرجح به. 

إن الجزم بصحة انتساب سيدي بيبي للسباعيين ضعيف جداً ومرجوح، ليس فحسب لافتقاده للسند التاريخي، وافتقاره للحجج والبراهين التي جرت العادة أن تلحق بها الأنساب كالأسانيد، والوثائق التاريخية؛ بل لأن الولي الصالح سيدي بيبي سبق نزوح الصحراويين إلى المنطقة بعقود كثيرة، هذا على تقدير صحة الروايات الشفوية التي تقول: إنه من مجاهدي السلطان السعدي محمد الشيخ. 

وربما أحس صاحب هذا التعليل ضعف تأويله فزاد له تأويلاً آخر، عله ينجبر به ذاك الضعف، أو يتقوي به تأويله الأول، فقال: "أما اسم "بابَا" فهو اسم صحراوي متداول كثيراً في هذه الربوع، وقد نطقه السكان بـ: "بيبي" للتصغير" وكل هذه الظنون والتخمينات يُستشف منها عدم العثور على أصول أخبار الولي الصالح سيدي بيبي؛ فلجئوا إلى تأويلات غريبة يستأنس بها إلى حين ظهور وثائق جديدة قد تكشف هوية هذا الولي الصالح مستقبلاً. 

مذاكرة الدكتور الحسن العبادي مع سيدي الحاج الحبيب حول أصل سيدي بيبي 
ذكر المرحوم الدكتور الحسن العبادي في مقال سماه: "جلسات ربانية ونفحات نورانية مع الشيخ سيدي محمد الحاج الحبيب البوشواري" عاطفاً على جملة من أسئلته ومذاكراته معه: "وسألته مرة عن تاريخ الموقع المعروف بهشتوكة الغربية بسيدي "بيبي" فقال لي: إن سيدي الحاج الحسين الإفراني -وكان آية في تاريخ سوس وأنساب السوسيين- يقول: إن هذا الموقع من المواقع التي نزل بها البرتغال أيام احتلاله لسواحل سوس قبل أن يطردهم السعديون أوائل القرن العاشر 940 هجرية، ثم استدرك قائلاً: إن الناس الذين دفنوا بهذا المكان الآن بما فيه المقبرة والشيخ من المغاربة المسلمين.." ينظر كتاب: سيدي الحاج الحبيب التنالتي فكره وجهاده ص/145 . 

الروايات الشفوية وأثرها في توسيع الخلاف حول أصل سيدي بيببي: 
الحسين أكروم بن احمد الساحلي
عندما تنعدم أصول الأخبار، ومصادر الوقائع، تضيق أبواب التأويلات بكثرة الداخلين عليها، وسرعان ما تنسل منها سيل من الروايات الشفوية، الغريبة أحياناً، والمضحكة أخرى وكيف لا؛ والجميع أصبح بين عشية وضحاها مؤرخاً متمرساً، ومحللا اجتماعياً، فيُـنَظّر لأصول الأسماء، ويؤصل لاشتقاق المسميات. 

فحسبك قولهم: إن الولي الصالح "سيدي بيبي" جاء أصالة من إطلاق اسم "بيبي" في الدارجة المغربية على الديك الرومي، ومن ثَم انتهزها الخراصون فرصة سانحة، فراح أولئك الذين هم في غمرة ساهون يحتجون بأن المدفون في ذلك القبر هو ديك رومي، مات لصاحبه فدفنه هناك، وبنى عليه قبة، ويروجون لذلك دون استحياء ولا خجل، فتوصلوا إلى أن ذلك هو السبب في تسميته بـ: "سيدي بيبي" فظن الناس خطأً أنه ولي صالح، ومن ثَم راحوا يزورونه ويتبركون به. 

ولو كانت هناك ترجمة للولي الصالح سيدي بيبي لحسمت هذا الخلاف الدائر حوله، لكن انعدامها جعلت مدرسة الظاهرية تدخل على الخط لما حملت لفظ بيبي على ظاهره، وكأنه خيل إليهم أنه من اللغة الفرنسية [bébé] أي: ابن صغير، فحولوا معناه إلى اللهجة المحلية، فما عليهم إلا أن يختلقوا قصة عجيبة، وينسجوا حكاية غريبة تتوافق مع تأويلهم. 

فقالوا: إن بعض النصارى صادف أن مر هناك، ومعه طفل صغير يحبه كثيراً، فمات له في الطريق، ونظراً لشدة تعلقه به؛ بنى عليه ضريحاً كبيراً، فسمى ذلك الموضع باسمه؛ "بيبي" فالتبست حقيقة الضريح على الناس بحكم تقادم الأزمان، وانصرام الأعصار، فظنوه ولياً صالحاً، فزادوا له سيدي، فأصبح: "سيدي بببي" . 

وأنت أيها القارئ الكريم ترى كيف تأثرت الروايات الشفوية بعلاقة الدال مع المدلول، فحمَّـلوا الأسماء ما لا تطيق، وكلها تخمينات غير صحيحة، فالذين قالوا: إنه ديك رومي يجاب عليهم بأن القبر قديم جداً، وفي ذلك الوقت لا يوجد الديك الرومي أصلا في هذه البلاد، وكيف عرفتم أنه هو، مثلهم في ذلك؛ مثل الذين قالوا: إنه ابن نصراني. 

هل كان سيدي بيبي ينتحل مذهب الملامتي في التصوف ؟ 
يظهر لي بعد التأمل والنظر في أخبار هذا الولي الصالح؛ أنه لا يبعد أن ينحى سيدي بيبي منحى صوفياً ملامتياً، ذلك أن هذا الاتجاه يتعمد أصحابه إظهارَ العيوب، وكتمانَ الْحُسْن، ولوم النفس. وقد عرف السهروردي الصوفي الملامي في كـتابه: عوارف المعارف ص/ 71 بقوله: "هو الذي لا يظهر خيراً، ولا يضمر شراً.. فلا يجب على أحد أن يطلع على حاله وأعماله.." ويمثل هذا الاتجاه في المغرب عدد من الصوفية كأبي الحسن بن حِرِزْهم، وأبي العباس السبتي، وصالح البربري، وطائفة من الذين معهم. 

ويبدو أن الولي الصالح سيدي بيبي من مريدي هذا الاتجاه، لأنه لا يعرفه أحد، فخلا بنفسه تحت تلك الشجرة يتعبد فيها، بعيداً عن الأنظار، ولو كان مشهوراً في عصره؛ لعدَّه الكرامي في كتابه بشارة الزائرين في طبقة الصلحاء، أو ترجمه الحضيكي في طبقاته، أو ذكره قبلهما الرسموكي في وفياته، وكل هذه الكتب الثلاثة مطبوعة متداولة، ولما لم يكن شيء من ذلك؛ عُلم بقرب احتمال صحة هذا التأويل. 

دعوى تدريس سيدي بيبي العلم في اشتوكة أيت باها ؟ 
كثيرة هي الأقوال التي تُروَّج حول الولي الصالح سيدي بيبي، لكنها كلها من باب الاحتمالات، لا تَقْـوى أمام الحقائق العلمية، إن يتبعون إلا الظن. وتفتقد بالجملة إلى الأدلة الثابتة، لعل أهمها ما جاء في موسوعة معلمة المغرب ص/ 1915 من أن سيدي بيبي: "كان فقيها عالما يدرس بقبيلة اشتوكة في سوس، ولعله عاش أواخر الدولة السعدية.." . 

ويظهر أن هذا الكلام يناقض أوله آخره، إذ كيف يعقل أن يجزم قطعاً بأنه كان فقيهاً يدرس، وهو لا يعرف ولادته، ولا وفاته، بل ولا اسمه، فمن أين عرف أنه يدرس ؟ وهو شاك حتى في العصر الذي عاش فيه ؟ 

وإن تعجب في هذا فعجب اعتماد مَن نقل هذا الكلام عن مصدر سماه في آخر مقالته في معلمة المغرب ص/ 1915 بقوله: "روايات شفوية عن السيد الباقر مولاي علي السباعي أحد المهتمين والعارفين بأنساب السباعيين بسوق الزربية بمراكش. علما بأن بينه وبين هذا الولي الصالح قرابة خمسة قرون متصلة. 

وأغلب تاريخ اشتوكة المعاصر للأسف شابته كثير من الأخطاء كما وقع في تعريف أصل اشتقاق بيوكرى في الموسوعة الدولية ويكيبيديا، عَلَّ الشباب المعاصر يستدركون ذلك النقص، ويتصدون لبيان أوهام المؤرخين المعاصرين . 

اقتراح مرجحات علمية تقريبية لإثبات أصله: 
مما لا شك فيه أن المصادر التاريخية عجزت عن حسم هذا الخلاف الدائر حول سيدي بيبي، لذا لا بأس أن يُستعان بعلوم أخرى كالعلوم الإنسانية والاجتماعية، وخاصة منها علمي الاجتماع، والآثار للقيام بحفريات إركولوجية حول الضريح لتشخيص مدى صحة ارتباطه بالعصر السعدي الذي قيل إنه عاش فيه. 

ولعل من نافلة القول التذكير بأن علم الآثار يهتم بدراسة البيئة، والأرض، والأضرحة القديمة وغيرها من الأماكن التي يصطلح عليها في العلوم الإنسانية بالتراث المادي. ولهذا العلم مناهج متعددة يشرع بعد تحديد الموقع في مسح الضريح، والتنقيب فيه، وتوثيق ما وجد عنه، وتصنيفه إلى نوعي، وتتابعي، لتُوَازَن بعد ذلك ببعض نتائج العلوم الإنسانية الأخرى لتقريب تاريخ وجوده في المنطقة. ومما لا شك فيه أن التوصل إلى نتائج إيجابية حول ذلك من شأنه أن يقربنا أكثر من أي وقت مضى نحو الزمن الذي عاش فيه سيدي بيبي . 

فعلى الأعيان، والمنتخبين في المنطقة؛ أن يسارعوا إلى بعث لجان علمية متخصصة في دراسة الآثار ليعرفوا متى استقر هذا الولي الصالح بينهم ؟ وتُعمم تلك الفائدة على العموم لتَحُدَّ على الأقل من خرافات نُسجت خيوطها في مسامرات المجالس، وعلى هامش المنتديات، فاستخفت بقيمة هذا الولي الصالح، وإهانة كرامته، لما اعتبرته ابن نصراني أحياناً، وأنه دجاج رومي أخرى، في حين يرى آخرون أنه لا يوجد شيء داخل الضريح أصلاً، وغيرها من الأقوال التي يروجها الأفاكون. والحاصل أن ما يروج في التراث الشفاهي الهشتوكي أقل ما يقال عنه؛ أنه لا يليق البتة بمكانة هذا الولي الصالح. 

تاريخ استحـداث موسم سيدي بيبي: 
لا شك أن المعلومات حول بداية تاريخ موسم بيبي شحيحة وضنينة، وقد وردت إشارة عابرة في بعض كتب التراجم تدل على أن تاريخ استحداثه ليس قديماً، قال صاحب كتاب: "المؤنس الأنيس في موكب أحفاد المولى إدريس" في صفحة 171 بعد إيراده نبذة موجزة ومقتضبة عن أصل سيدي بيبي: "وقد أقام القائد يرعاه السباعي عند ضريحه أول موسم ديني تجاري..". 

قلت: وهذا لا يصح من وجوه، أقواها: أن موسم سيدي بيبي ذكره المختار السوسي نقلاً عن مذكرات المانوزي بعقود، قبل تولية القائد يرعاه السباعي القيادة باشتوكة أيت باها. قال المختار السوسي في كتابه: المعسول 271/3 واصفاً أحوال موسم سيدي بيبي، والعوائد الجارية فيه: "وقد حضرت أنا في هذه المواسم في حدود العشرين ثلاث سنين، الأولى عام 1321هـ، ‍إلى سنة 1323هـ.." بمعنى أن المانوزي حضر في موسم سيدي بيبي سنوات 1903-1904-1905 أي: قبل الحماية الفرنسية على المغرب، سنة 1912م، ولم يتولَّ القائد الحاج عبد الرحمان يرعاه السباعي على بيوكرى؛ إلا بعد ذلك بثلاثين سنة، أي: في الأربعينيات من القرن الماضي. 

وربما الذي جعل الكاتب يروج لهذا الكلام؛ أن الولي الصالح سيدي بيبي من أصول سباعية، والقائد يرعاه سباعي كذلك، فظن أن الداعي إلى إقامة الموسم بجانب ضريحه فرضته أواصر قبلية، وعلاقات نسبية، وخفي عليه أن الموسم اشتهر بتحزابت عقوداً طويلة قبل بداية القرن العشرين 1900 وسيأتي تفصيل تلك العوائد المرعية فيه قريباً. 

ولا شك أن ذكرى سيدي بيبي هذه السنة 2018 قد تكون مصادفة للذكرى ما بعد 120 على أدنى تقدير، لأن أغلب المواسم الدينية في اشتوكة بدأت في هذه الفترة كموسم الولي الصالح سيدي سعيد الشريف الإكثيري الهشتوكي. 

وتجدر الإشارة إلى أن موسم سيدي بيبي يقام في الخميس الأول من شهر غشت الفلاحي، ودأب أهل اشتوكة وقبائلها على الحضور فيه، بل تحج إليه غالب قبائل سوس. 

طقوس اجتماعـية قرب ضريحه: 
لا شك أن طبع بعض الناس ميال إلى تصديق الخرافات، بحكم كثرة الفرق العقدية التي رسخت في المغرب قديماً مجموعة من الطقوس الغريبة، فتداخلت بمجموعها لتنتج ما يشبه أن يكون عقيدة وثنية، يغلب عليها ألوان السحر، والشعوذة، مصحوبة بخرافات، وعقائد فاسدة تؤمن بقوة تسخير قوى الطبيعة بشتى أنواعها لتحقيق المصالح الآنية للإنسان، واعتقاد دفع الضرر بتلك المسببات المذكورة، وما زالت بقايا تلكم الرواسب متأصِّـلَة فِي بعض جوانب الثقافة الشعبية المغربية إلَى الآن. 

ومن الطبيعي أنَّ الولي الصالح "سيدي بيبي" عُرف بالزهد والتقوى؛ فاعتقد الناس صلاحه، لذا نجد قصاصة تواترت بين سكان القرية تفيد بأن هناك شجرة كان يتعبد تحتها، ويتلو أوراده تحت ظلها، فتقصدها النساء قصد التعجيل بالزواج، أو طلب القبول، وجلب محبة الناس، أو التضرع بأدعية وتوسلات تحت ظلالها لطلب الاستشفاء من علة جسدية، أو مرض مزمن. 

وعادة ما تكون تلك الشجرة مكتظة بجماهير الناس في موسم سيدي بيبي، بعضهم مجاذيب، وآخرون مجانين مختلون عقلياً، ويتزاحم معهم العقلاء الذين يطلبون تسخير تجارتهم، وحصول البركة في فلاحتهم، وكل هذا تتحكم فيه وشائج روحية، ونوازع نفسية داخلية تعتقد حصول البركة تحت تلك الشجرة، كل هذا مع الإحساس بنوع من التقديس أضفاها عليها خلوات الولي الصالح سيدي بيبي وأوراده وتعبده لسنوات طـوال هناك. 

أما المتأخرات في الزواج فلهن قصة أخرى؛ حيث يندفعن -عجل الله بفرجهن- ليعلقن بأغصان تلك الشجرة بعض قطع أثوابهن، وربما يأتي رزق إحداهن فتعتقد الأخرى أن ذلك كان بسبب بركة الولي، فيشتد شوقها إلى الموسم المقبل، لكن بعض الشركات العمومية للبناء أوجب عليها التصميم القبلي لمشروعها أن تقطع تلك الشجرة من أصولها، فأزالتها في أوائل التسعينيات تقريباً. 

ثم بدأت النساء يتركن بعض حوائجهن داخل الضريح، ويترَجَّـيْن قبول دعوتهن، ولا شك أن بعض الطلبة يتفهمون نفسيتهن كثيراً، فيغدقون عليهن ببعض الدعوات الصالحات فيتصدقن عليهم بدراهم معدودة، ولله في خلقه شؤون. 

وقد رفعت قلمي الآن عن تاريخ ضريح سيدي بيبي، وأصوله التاريخية دون أن أخرج بنتائج علمية، وخلاصات نافعة حول حقيقة أصل سيدي بيبي، مما يجعلنا نقول دون أدنى حرج مع الأستاذ محمد أجعموم: "لقد أوردت كل تلك الأقوال والروايات حاكياً وناقلاً دون ترجيح أحدهما على الأخرى؛ لعدم وجود مرجحات قوية يستند إليها، مما يجعل الباب مفتوحاً أمام أي أدلة قد تفيد في الموضوع.." ينظر كتابه الماتع: مدرسة بنكمود للقراءات القرآنية تاريخ حافل وعطاء متواصل ص/24. 

وخلاصة القول أن الذين كتبوا عن هذا الولي الصالح؛ اقتصروا على تاريخ ضريحه، ولم يشيروا إلى علاقة المدرسة بموسم بيبي، فاستوجب المقام أن نبين شيئاً يسيراً من تاريخ هذه المدرسة، علماً بأنها مجاورة للضريح. 

مدرسة سيدي بيبي القرآنية عبر التاريج : 
لا شك أن تاريخ تأسيس المدرسة منعدم في المصادر التاريخية، ومن الطبيعي أن ينشأ عن هذا الفراغ اختلاف في تاريخ أصولها، فقد أرسل لي فقيه مدرسة سيدي بيبي الفقيه سيدي العربي أُو جامع أوراقاً نقل فيها عن عمر الساحلي ما يفيد بأن المدرسة أسست في أوائل القرن السادس عشر الميلادي . 

ولا يبعد أن يكون بلدينا الساحلي ربط بين وقت وجود الضريح والمدرسة، فاستنتج من ذلك؛ علاقة الارتباط التاريخي بينهما. وأغلب الظن أن الضريح سبق المدرسة بمديد المراحل لأنه لا يشترط أن يكون عند الولي الصالح مدرسة قرآنية أو علمية يدرس بها حتى تكون هي سبباً في تعبده وخلواته هناك. 

ولم يقف الأمر عند ما ذُكر؛ بل بنى على هذا الافتراض -أعني تأسيس المدرسة في أوائل القرن السادس عشر الميلادي - بعض الباحثين الذين كتبوا مقالاً عن "سيدي بيبي" في موسوعة معلمة المغرب . 

والذي تميل إليه نفسي أن المدرسة أسست في أواخر القرن الثالث عشر الهجري حسب بعض القرائن، لأنها لم تكن مشهورة جداً كالمدارس القرآنية القديمة، وبينها وبين الضريح ما يزيد عن 400 سنة، والأدل على ذلك؛ عدم ذكر المختار السوسي لها في كتابه: مدارس سوس العتيقة، علماً بأنه ذكر مائة مدرسة. قال رحمه الله في آخر كتابه المذكور: "وما كان مقصودنا حشر كل ما يسمى مدرسة؛ فإن ذلك يصل إلى ما فوق ثلاثمائة، أو أربعمائة، والدليل على ذلك أن في هشتوكة أكثر من عشرين كلها تذكر، ولم نذكر منها إلا نحو خمسة.." كتاب: مدارس سوس العتيقة، ولو كانت مشهورة وأسست في القرن السادس عشر الميلادي كما قيل؛ لسبق بها المختار السوسي، ومما يقوي أنها متأخرة أن كل الذين مروا فيها؛ من علماء القرنين الرابع، والخامس عشر الهجري. 

الفقهاء المشارطون في مدرسة سيـدي بيبي عبر التاريخ: 
1 * قال المختار السوسي في ترجمة محمد بن سعيد الغرمي الجراري عاطفاً على جملة من شيوخه: "ثم قرأ عن الأستاذ اليزيد الجبلي قراءة قالون، والمكي، في مدرسة سيدي بيبي بهشتوكة، وقد ختم القرآن وما إليه من تلك القراءات 1330هـ" المعسول 18/94 . 

2* عدد الفقيه سيدي إبراهيم بن الحاج الركراكي أماكن مشارطته، فقال بعد خروجه من مدرسة الشيشاوي: "ثم نقلت أيضاً إلى مدرسة ولي الله سيدي بيبي ببلدة أيت عميرة، بالشرط لعام واحد من غير تعليم لتفريط في أشياخ القبيلة.." وذلك سنة 1337 هجرية. المعسول 5/319. 

3* سيدي محمد المارسي توفي 1355 هجرية، قال عنه المختار السوسي "شارط ما شاء الله في مدرسة "سيدي بيبى.." المعسول 10/281 . 

4* قال مؤرخ سوس في موسوعته المعسول: في ترجمة أحمد بن الطاهر التمكرطي البعقيلي: "فقيه جيد فيما حكي لي عنه، زاول النوازل وجاذب العلماء في ذلك.. شارط أخيراً 1361هـ في مدرسة "سيدي بيبي" بهشتوكة، فبقي إلى أن توفي هناك نحو 1363هـ. المعسول 5/ 134. 

5* الحسين بن أحمد ذكر المختار السوسي أنه أخذ عن والده في مدرسة سيدي بيبي المعسول 8/260. 

6* ذكر لي الفقيه سيدي محمد مستقيم البعقيلي؛ بأن الفقيه سيدي المدني الإكراري الأكلوي شارط في سيدي بيبي . 

7* أفادني المقرئ المشهور مولاي علي العلوي الإيبوركي الحسني المشهور عند الطلبة "بأَمَـاعي" أن الفقيه الحاج جامع البلفاعي؛ شارط في مدرسة سيدي بيبي سنة 1978 وبقي فيها سنتين. 

8* ثم تبعه سيدي مولاي علي أَمَـاعي سنة 1980 وبقي فيها 15 عاماً متصلة تخرج على يديه هناك أفواج كثيرة من الطلبة طبقاً عن طبق، إلى أن خرج سنة 1995 منها، وهو الذي أحيا فيها مدارسة القراءات القرآنية بالطريقة القديمة، ولا يترك طلبته كما قال لي الأستاذ رشيد أُلْكَـهْيا يتجولون في موسم سيدي بيبي؛ بل يقفل باب المدرسة حتى ينقضي، وبالجملة فقد زاد سيدي علي للمدرسة حجرات كثيرة فوسع مساحة المدرسة بأضعاف، لكن خربتها له الجماعة القروية لسيدي بيبي بعد صراعات كبيرة بينهما سأذكرها بتفصيل إن شاء الله في غير هذا المحل. 

9* ثم تبعه في مدرسة سيدي بيبي السيد الفاضل الفقيه سيدي العربي أوجامع شارط بها منذ أن خرج منها أماعي سنة 1995 وبقي فيها إلى الآن، أعني سنة 2018. 

فاتضح أن الغالب على مدرسة سيدي بيبي عبر التاريخ هو مدارسة القراءات القرآنية وأن المدرسين فيها، والمتخرجين منها؛ مقرؤون كبار، لذلك فإن قبائل أيت عميرة، وسيدي بيبي اشتهرت عندهم مدرسة بن جرار إحشاش بالعلم، وسيدي بيبي بالقراءات، ثم ما لبثت أن زادوا فيها صنفاً تعليماً عصرياً آخر. 

مدرسة سيدي بيبي فرع ثالث لمعهد تارودانت: 
بعد فرع تزنيت وماسة؛ دشن المعهد الإسلامي بتارودانت بتنسيق مع جمعية علماء سوس، فرعاً جديداً للمعهد بسيدي بيبي سنة 1957 -1958 وأرجع عمر الساحلي استحداث هذا الفرع: "نظراً لقربه من الطريق إلى ماسة وتزنيت حيث يوجد الفرعان، فاتصلت بالقائد مولاي المامون السكراتي الروداني فكون لجنة محلية من قبيلة أيت عميرة لبناء الأقسام والسكنى المشتملة على غرف صغيرة تسع كل واحدة منها ثلاثة، أو أربعة تلاميذ وأخبرني -يضيف عمر الساحلي- أن بناء وإصلاح هذا الفرع؛ تم بثمن الأعشار القديمة التي كانت مخزونة في المدرسة، أما الجمعية فقد ساهمت بمائة وخمسين ألف فرنك لتزليج ساحتها.." ينظر لمزيد من الإيضاح كتاب: المعهد الإسلامي بتارودانت لعمر الساحلي الجزء الثاني صفحة 15 وما بعدها. 

كيف كان طلبة وفقهاء هشتوكة يحتفلون بموسم سيدي بيبي سنة 1900م: 
بين المانوزي في مذكراته كما في كتاب: المعسول؛ الجزء الثالث صفحة 270-271 كيف كانت المدارس العلمية بهشتوكة يحتفلون بموسم سيدي بيبي، وأفاض في شوقهم إليه، والاستعداد له، فقال: "ولنذكر نبذة من أحوالهم في ذلك فنقول: إذا بقي لموسم سيدي بيبي مثلا أو غيره خمسة عشر يوماً، عمد الفقيه المدرس في المدرسة إلى طلبته عند قراءتهم الحزب الراتب بكرة، أو عشياً -إذ هو عندهم من قبيل الواجب، فلا يتخلف عنه أحد لقوانين وضعت على المتخلف، وهي صارمة- فينبههم وينشطهم لذلك الموسم، ويخرج لهم المؤن، والجرايات المتعلقة بثلاثة أيام الموسم، في كل ما يحتاجون إليه من خبز، وإدام، وسكر، ودراهم، وفرش وغيرها، مما يتأنقون به إليه.. ولبس الثياب البيضاء، وإزالة الأوساخ، واستعمال أفعال المروءة من الحياء، وعدم اللغط، والصخب، والفحش، وغيرهما مما ينافي وقار العلم وهيبته، أو يورث مهانة، فإذا حان يوم الذهاب للموسم، وهو يوم الأربعاء للقريب، وقبله للبعيد؛ تهيأوا واستعدوا، وتزينوا بأحسن ما عندهم، واجتمعوا. 

فإذا استكملوا الاجتماع ذهبوا إلى أستاذهم الفقيه لينظرهم، ويعرضهم بين يديه، ويوصي كل واحد منهم من كبير أو صغير بما تنبغي الوصاة به، مما يليق بهم، ويحضهم على التمسك بما ذكر آنفاً زيادة على تحسين القراءة وتجويدها في المجامع، ثم يدعو لهم بالتوفيق والهداية، والرشد، فإذا وصلوا إلى الموسم ذهبوا إلى محلهم المعين لهم للقراءة فيه بين صفوف القراء من أمثالهم، فيتناوبون في القراءة ربع حزب من القرآن، لكل حزب أي: جماعة منهم وكل حزب بما لديهم فرحون، فإذا وصلت النوبة إلى أحد منهم، جاء جميع الحاضرين ووقفوا عليهم يحصون عليهم الأنفاس، والفلتات، فضلا عن الألفاظ، والأوقاف، والمطوط، والألفات. 

فإذا مالوا ولو خطئا في وقف، أو إشباع، أو قصر، أو توسط، أو غير ذلك، من أنواع التجويد، صفق لهم جميع الحاضرين من الطلبة تشهيراً للسامعين بعظم الزلة، وربما سمع التصفيق العوام المشتغلون بأنواع الإتجار خارج المدرسة، فيصفقون هم أيضاً، لما رسخ في أذهانهم من فظاعة ذلك، وربما ينفى المخطئون من موضعهم ذلك، ويطردون منه بالكلية، فيصيرون سَـبّة إلى العام القابل، فيسقطون في أعين الناس، لاسيما فِي عين شيخهم، فإنه يسخط على ذلك الحال، ويتسلط عليهم بأنواع السب والثلب إلى حين.." انتهى كلام المانوزي بحروفه. 

حضور المانوزي في موسم سيدي بيبي ووصفه: 
نقل المختار السوسي عنه في كتابه: المعسول271/3 واصفاً أحوال موسم سيدي بيبي والعوائد الجارية فيه: "وقد حضرت أنا في هذه المواسم في حدود العشرين؛ ثلاث سنين، الأولى عام 1321هـ، ‍إلى سنة 1323هـ، ‍وكنت خدام طلبة تلك المواسم، فرأيت وسمعت ما لم يحط به القلم من أحوال الطلبة من جليل وحقير. 

ويتناوبون أيضاً في نصوص التجويد، والقراءات، وأصولها، من لامية الشيخ الشاطبي المسماة بحرز الأماني، وأرجوزة الخراز، وابن بري، والحصري وغير ذلك، مما كانوا يحفظونه، ويعدونه لتلك الأيام وغيرها، مفخرة وتطاولا على إخوانهم، وكل من حفظ هذه المؤلفات، علاوة على حفظ القراءات السبع، أو العشر الصغيرة، أو الكبيرة، فإنه عندهم في غاية التعظيم، مشار إليه بالأصابع، ترمقه العيون بالإجلال، عند الخاص والعام، ذكوراً وإناثاً، فذلك يكون لهم مزيد اعتناء بذاك، لاسيما قبائل هشتوكة، وهوارة، وماسة، وقبائل أيت باعمران، فإنهم يبذلون طارف الاعتناء وتالده في تحصيل القراءات بأصولها، ووجوهها، على ما ينبغي، وأكثر مدارسهم لا يقبلون فيها إلا إمام القراءات الموصوف عندهم بهذا الوصف..". 

كيف أصبح موسم سيدي بيبِي الآن ؟ 
سألت فقيه مدرسة سيدي بيبي السيد الفاضل الفقيه سيدي العربي أوجامع عن أحوال موسم سيدي بيبي في هذه الأعصار الأخيرة، فأجاب بأن حلقات تحزابت انقطعت فيه منذ عقود طويلة، وقد حضر هو فيه في الثمانينات -أي: قبل ثلاثين سنة- ولاحظ أن حلقات تحزابت اندرست فيه بالكلية، وتكاد لا تسمع القرآن الكريم إلا عند الضريح يقرؤه فيه لفيف من الطلبة الذي يطلق عليهم "إِشَـنْطاوين" وأصحاب "معجز القول" ويدس الناس في أيديهم بعض الدراهم تفاؤلا ببركة الشيخ سيدي بيبي، أو طلباً للشفاء من أمراضهم، فيندفعون لذلك السبب نحوهم، ومن ثَم تحول موسم سيدي بيبي من موسم الطْلْبَـةْ، إلى موسم تجاري، لأن آثار تحزابت التي ذكرها المختار السوسي اختزلت في بضعة طلبة يرتلون مقاطع من القرآن قرب الضريح، آه، ثُم آه، كيف كان تاريخنا الديني في الماضي، وكيف أصبح الآن. 

ولا شك أن الغيور على تراث المواسم والقراءات القرآنية سيصيبه نوع من الدهشة والاستغراب عما كان عليه الموسم في عصر المانوزي، وكيف أصبح الحال عليه الآن، وكل الناس يتحدثون وبشغف عن بداية "التبوريدا" وعن عدد فرق الخيول المشاركة فيها، دع عنك الألعاب النارية، والفلكلورية التي تستهويهم، هذا في وقت كان أجدادهم يستمتعون بقراءة القرآن "تحزابت" والأذكار، والابتهالات، فلا بد أن يتجند أبناء المنطقة وأعيانها؛ لإعادة إحياء ما اندثر من تراثهم المجيد. 

مسك الختام: 
تلكم إذن كانت نبذة موجزة ومختصرة عن موسم سيدي بيبي، فأعتذر للقراء الأفاضل إن دخلنا هذا البحث بنية أنه سباعي، وخرجنا منه بشك أنه غير آدمي، أو ربما يكون غير موجود أصلاً، وما كان ذلك ليكون؛ لولا انعدام ترجمته في المصادر التاريخية، وتعذُّر وجود أخباره في كتب التراجم والطبقات. 

وسيلامس القارئ الناقد كثرة الاحتمالات، والاسترسال في الظنون، وإيراد سيل من الشكوك، فقد تعمدت أن أضعك أيها الهشتوكي أمام هذه التأويلات دون مرجحات لترى وضعية تاريخ بلادك، وحال رجالاته وتقلبات أعلامه، عَلَّ ذلك يدفعك إلى استنهاض همتك للتعمق في تراجمهم، وتبحث عن خفايا أخبارهم، أما نحن؛ فلسنا من أهل هذا الشأن، وإنما كحاطب ليل، نجمع الأخبار، ونسود الأوراق، ونمق العبارات، على حسب اختلاف الاعتبارات، ولطالما تمنيت ورجوت أن أعثر على شيء ذي بال حول تاريخ سيدي بيبي لكن: 

ما كل ما يتمنى المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن