حي القدس بأكادير“ مقاطعة غزاوية “

يوسف غريب

بدون تردد؛ يمكن اعتبار القرار البلدي الأخير القاضي بتعريف أزقة وشوارع حي القدس / أكادير بأسماء فلسطينية وأغلبها من قطاع غزة من أخطر القرارات لحد الساعة؛ إذ يتعلق الأمر هنا بطمس وتحريف مستقبل ذاكرة وهوية مدينة ما زالت تبحث عن انبعاث روحها التي تعرضت لشروخات بعد القدر الالهي لسنة 1960؛ واذا كان الأمر طبيعيا أن تعطى الأولوية لإعادة بناءها خلال العقود الأخيرة فإن مستقبل المدينة بالنسبة للاجيال القادمة يكمن اليوم في إعادة الروح إلى هويتها الجهوية انسجاما مع جغرافيتها المتنوعة بعمقها الأطلسي وتقاطعها مع الصحراء مع استحضار هذا التفرد الذي تمتاز به أكادير بكونها المدينة التي ساهم المغاربة قاطبة في بناءها عبر ضريبة أكادير إلى جانب دول العالم طبعا… 

والوضع بهذا الوصف يفرض على مدبري الشأن المحلي استحضاره أثناء تعريف الشوارع والازقة بالتركيز على الأسماء والرموز التي تنتمي إلى بيئة وتاريخ وجغرافية المدينة والمألوفة لدى الساكنة بل والحفاظ علي تداولها بالنسبة للقادمين مستقبلا… هي قاعدة وفلسفة مشتركة عالمية تؤطر تاريخ وحضارة العمران لدى الشعوب والأمم… هنا تكمن خطورة هذا القرار البلدي وبهذه الكمية من الأسماء حد توصيفه بالزلزال الثاني ؛ لكن هذه المرة في الذاكرة والوجدان فلا فرق بين هدم بناية سنيما سلام وطمس ذاكرة أكادير اوفلا وغيرها من المعالم الأخرى وبين طمس رموز وأعلام المدينة والجهة والوطن… لافرق؛ بل الأفضع أن يتم استغلال مكانة القضية الفلسطينية لدى المغاربة بهذا الشكل الفج والقول بأن ذلك ينسجم مع تسمية الحي بالقدس عاصمة فلسطين وهو قول مردود على أصحابه إذ أن قمة التضامن أن يكون عنوان أحدنا هناك بهذا الشكل ( زنقة عموري مبارك بحي القدس ) وهو عنوان يعبر بشكل واضح وبسيط علاقة المحلي بما هو قومي ووطني… إذ لا خير في أمة تلغي هويتها للتعبير عن موقف اتجاه الأمم الأخرى… وخصوصا القضية الفلسطينية التي أصبحت موضوع التباس كبير وسط الفلسطينيين أنفسهم كما جغرافيتها المقسمة بين حماس وفتح بما يحمل ذلك من دلالات عقائدية ومذهبية حد الاقتتال..

التباس يدفع المرء إلى أن يكون حذرا في التعامل مع هذا الصراع بتعبيراته السياسية ويقف إلى جانب ما هوحقوقي وإنساني في القضية . ونحن بهذا المنحى يدفعك الفضول إلى تفاصيل لائحة أسماء هذه الازقة والشوارع المتداولة والمرفوضة أصلا اعتبارا لما سبق سنكتشف أن أغلبها وبنسبة عالية من قطاع غزة مما يبعد هامش الصدفة في هذا الاختيار والبحث عن خلفياته السياسية وعلاقته بمسألة الاصطفاف في الصراع الدائر حول القضية الفلسطينية نفسها.

هي لائحة أسماء بمثابة رسالة تنسجم والقناعة المذهبية للفريق المدبر للشأن المحلي… و واهم من يعتقد أن الأمر إلهاء عن قضايا خدماتية أهم بكثير من أسماء الشوارع… أبدا نحن أمام قرار بلدي له تأثير حول مستقبل المدينة والوطن بتحويل إلى عنوان أخر ضمن أجندة تشتغل على قومجية إسلاموية بمفهومها الإخواني… و غير بعيد ما زال أطر بالمدينة وأحد نوابها فاعلة ونشيطة ضمن الهيئات الدولية المكلفة بإعادة إعمار غزة… و بموقع جد متقدم في تأطير كل سفن الحرية التي ذهبت لفك الحصار على قطاع غزة طبعا بقيادة تركيا ..لماذا غزة وحدها دون بقية الأراضي الفلسطينية. ؟…

هو نفس السؤال لماذا أغلبية الأسماء في الأئحة من قطاع غزة؟ لا وجود للصدفة في القرار بالرغم من إدعاء مشاركة جمعيات الحي ؛ هو تمويه لاغير… بل هو أدعاء ينفذه هذا الرفض العارم الذي تم التعبير عنه في المنصة الافتراضية / الواقعية وبأساليب مختلفة استشعرت خطورة هذا القرار أهمها تفعيل عريضة التوقيعات ذات الحصانة الدستورية لإيقاف القرارالمجحف في حق ذاكرة ومستقبل المدينة …ويحرج بشكل مباشرة كل الإطارات الجمعوية وخصوصا المهتمة بمجال الذاكرة الخروج بموقف واضح وصريح من هذا الانحراف الهوياتي الذي تتعرض له المدينة ..واقتراح اساليب وفق القانون في اتجاه الضغط على الجهات المختصة لإيقاف القرار كما في تجربة سابقة بالبيضاء / المعاريف..

لا مجال الاختباء وراء الاصبع فالصراع هوياتي بالأساس وفي مجالات مختلفة أخطرها الذاكرة من تراكم الأزبال وحفر الشوارع وانعدام الإنارة… ألا يعاني الفلسطينيون هناك من تهويد المدينة… فلماذا نسعى نحن إلى فلسطنة أحيائنا.

على الهامش :
مستثمر فلسطيني بانزا أطلق اسم الديناصور على مطعمه انسجاما واحتراما لهذا الحي وبيئته.(منقول)