"مارس النسائي" ينتهي في اشتوكن بفاجعة "عربات الموت"

الحسن بنضاوش: 

في نهاية شهر مارس النسائي والذي يشهد في العالم اجمع احتفالات وتكريمات لنساء بصمن في عدة مجالات، اضافة الى ما تتميّز به هذه الاحتفالات من الرفع من معنوياتهن وتقييم تجربتهن، كتب في اقليم اشتوكة ايت باها ان ينتهي هذا الشهر بموت نساء يشتغلن في المجال الفلاحي كعاملات وباسم لقمة العيش.

حدث الأمر في الساعة الأولى من صباح يوم الخميس 29 مارس 2018، اليوم الأسود إقليميا ووطنيا، بعد أن غادرن بيوتهن في الظلام الدامس، والبرودة الصباحية التي يصعب مقاومتها أحيانا، تاركات ابنائهن في نوم عميق، وربما بعض الأزواج، في رحلة عبر "البيكوب" بشكل جماعي، نحو إحدى الضيعات الفلاحية بتراب جماعة أخرى، من أجل الحصول على بعض الدريهمات لأداء فواتير الكهرباء والماء، وشراء مستلزمات العيش، وبعض الحاجيات الشخصية اذا توفر مبلغ لها.

الا أن هذه الرحلة لم تصل إلى وجهتها (الضيعة الفلاحية)، لتتوقف في إحدى النقط الكيلومترية بين جماعتي بيوكرى وأيت عميرة، وتنتهي الرحلة العملية والعمرية في حادثة سير مميتة، خلفت تسعة قتلى من بينهم سيدتين .

وبعيدا عن نقاش ما إن كان الضحايا بالفعل خرجن لانهن في حاجة ماسة إلى الشغل، أم تحت تأثير موجة الاقتصاد المالي للنساء التي انخرطت فيها بعضهن مؤخرا، في استقلال شبه تام عن الرجل سواءا كمتزوجة أو عازبة أو مطلقة، فالحادثة لا يجب أن تمر مرور الكرام، وذلك لخطورتها وما يعيشه هذا القطاع من فوضى عارمة، واستهتار بأرواح البشر، واعتباره آلة للإنتاج فقط بعيدا عن الإنسانية والوجودية التي تلزم الاحترام والتقدير.

هذا بالإضافة إلى مستوى العمل الحقوقي، وطنيا ودوليا، وما قد يصبح اليوم مرفوضا بالكامل، وهو الموت في سبيل العيش، وفي ظروف لا إنسانية، وما تعرفه برامج الحكومة من أوراش اجتماعية تستهدف الفئات الهشة والطبقة الاجتماعية الفقيرة، وإعادة التوازن إلى الأسرة المغربية، وقيمة المجتمع .

والبداية ستكون عن أجواء مرور ذلك اليوم الأسود بالإقليم، فبعد الحادثة كانت برقية التعزية الملكية، والتكلف بمراسيم الدفن ونقل الضحايا، وواكب ذلك حضور عامل الإقليم مراسيم الجنازة الجماعية بمكان سكنى الضحايا ذكورا وإناث، في إشارة قوية إلى رفض مثل هذه الأحداث، وضرورة الحد من نزيف الطرقات، وربط المسؤولية بالمحاسبة في مجال تدبير الاوراش الكبرى التي تستهدف الإنسان في إنسانيته وكرامته.

ولم تنجو الحادثة من تفاعل الفضاء الأزرق معها بشكل سريع وقوي، ونشر الصور والفيديوهات، والتعليقات وتوجيه رسائل لمن يهمهم الأمر في شأن ضحايا العربات، وتلك الظروف الصعبة والمزرية للعاملات في هذا المجال، إضافة إلى ما تستعد له الجمعيات الحقوقية بالإقليم من أشكال التعبير والترافع والنضال من أجل ايقاف هذا الاستهتار الذي وصل حداه مع توالي مثل هذه الأحداث.

ولا يمكن استثناء المنطقة التي ينتمي إليها الضحايا وهي جماعة ترابية من اغني جماعات الإقليم، بها مقالع ومصانع، إلا أنها تصدر كل صباح نساء ورجال نحو المجهول، إلى ضيعات فلاحية في ظروف صعبة وشاقة، وهذا في حد ذاته يطرح سؤال التنمية وكيف يمكن شرح موضوع جماعة بموارد مالية مهمة وفي الأخير تموت النساء من ساكنتها في " بيكوب" من أجل لقمة عيش .

والأمر الأهم في الموضوع، فتح تحقيق ومعاقبة المسؤول أو المسؤولين على هذه الحادثة، مع استبعاد التضحية بالصغار في الحلقة الكبيرة، والجميع يعرف أنه في مثل هذه الحالات المأساوية تلمس اليد الأخيرة في الحلقة أو تحميل المسؤولية للقدر أو الطريق ( وان كانت ضرورة ملحة الان قبل أي وقت مضى لخطورة هذا المسلك، وما يخلفه من ضحايا سنويا) أو حالات العربة وكلها قشور وليس الأصل في المسألة .

وحتى يتم إيقاف هذا النزيف، وهذا الوضع الصعب والمعقد والذي أصبحت فيه المرأة ضحية الاستغلال، التحرش، سوء المعاملة وفي حالات عديدة الموت في العربات، لابد من إيقاف اللوبيات المالية والاقتصادية التي تتعايش مع السياسي في المنطقة ويتم استغلال ضعف الإنسان والفقر المدقع والحاجة من أجل الغناء وتحقيق الثروة على حساب الحاجة، وعدم توفير الظروف الملائمة للاشتغال، واعتبار تلك الفئة آلات إنتاج وتحقيق الأرباح، بعيدا عن الإنسانية والكونية وتقدير واحترام الحياة.

ويتطلب هذا الموضوع جرأة قوية، وعمل نضالي، بعيدا عن المزايدات السياسية والحزبية والنقابية، من أجل استئصال هذا الورم الإنساني الخبيث، وإعادة الثقة للحياة والمجتمع .