عن الأخلاق ؟!

عبد اللطيف أزرموح :

إن التجوال اليوم بين مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف المواقع الإخبارية كفيل برصد مدى الانحلال الأخلاقي الذي وصل إليه مجتمعنا، إذ يجعلنا بدون مبالغة أمام أزمة أخلاقية صارخة أحكمت قبضتها وتوغلت حد العمق للسيطرة على أفراد المجتمع.

لا نستطيع القول أن أزمة الأخلاق هذه هي وليدة اليوم، لأنه من العبث الجزم بذلك فلا يمكن لأي مجتمع من المجتمعات أن يخلو من انفلاتات أخلاقية من هذا القبيل، ولا يمكننا كذلك الجزم بأن الأمر قد تفاقم بهذا الشكل المهول في الآونة الأخيرة؛ بل قد يكون الأمر راجع للدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تعرية وفضح هذه الممارسات لتزيل الستار وتكشف عن الانحطاط الأخلاقي والسلوكي الذي وصلنا إليه.إن تحديد عوامل وأسباب هذه الكارثة المجتمعية وحصرها يعد ضربا من الخيال، فالأمر يحتاج إلى دراسات اجتماعية ضخمة وجريئة،لأن المسألة أكبر من مجرد تنظير على ورق، أو فتاوى من على منابر، أو الصياح بغوغائية وإطلاق أحكام قيمة عدمية من وراء شاشات الحواسيب؛ بل يحتاج الأمر للنزول إلى الواقع واستكشافه عن قرب.

لذلك فهذه السطور لا تغدو تكون مجرد وجهة نظر شخصية، بعيدة عن أي انتماءات ضيقة، وجهة نظر مبنية على استقراء لواقع معاش ورصد للآراء المختلفة التي أدليت حول الموضوع، وهي في نفس الوقت محاولة لتأثيث أرضية للنقاش الجاد.

إن الخطأ الذي نقع فيه كمجتمع محافظ والذي لامسناه من خلال ردة فعل مختلف المكونات والتلاوين، هو استماتتنا الدائمة لربط مفهوم الأخلاق بالتراث أو الأعراف والتقاليد، وبالتالي ترسيخ لفكرة اقتران القواعد الأخلاقية بالجزاء، سواء كان هذا الأخير سماويا خاضع للرقابة الإلهية، أو مجتمعيا يحكمه الخوف من ردة فعل المجتمع تجاهنا في حالة الإتيان بالفعل الذي يتفق المجتمع أنه منافي للأخلاق، في حين أن الأخلاق فضيلة مجردة وجب تحريرها من أي تبعية من هذا القبيل، فهي مفهوم سامي وجب أن يحكمه الضمير الإنساني المجرد للشخص، ولن يتأتى ذلك إلا باستيعاب أن الأخلاق ليست قواعد اجتماعية بل وعي بالحقوق والواجبات عامة وبهامش الحرية الفردية خاصة والتي تنتهي بالمس بحرية الاخر علاوة على تحمل المسؤولية داخل هذا الكون، واستيعاب مسألة أحقية الغير الذي يشترك معه نفس المحيط في العيش بحرية وكرامة، سواء كان هذا الغير من نفس الجنس البشري أو من جنس آخر.

إن الترهيب كوسيلة والتي أثبت عبر أجيال كثيرة نجاعتها الفائقة في ترويض الأطفال بهدف تقويم سلوكهم() وإجبارهم للانصياع للأعراف والتقاليد والتعاليم المجتمعية المختلفة، يعد بمثابة شحن وتكريس لمجموعة من المفاهيم المغلوطة والقيود الزائفة لدى الطفل، والذي دونما شك سيتحول إلى يافع يتمرد على الرقابة الممارسة عليه في أول فرصة تسنح له ليتحرر مفلتا كل تلك المبتدئ المدلسة والأسس والقيم الواهنة.

ثم إن شخصية الإنسان عبارة عن مجموعة من التراكمات الاجتماعية والفكرية والثقافية التي يتلقاها، وبالتالي فالشخص هو ابن بيئته وسر محيطه وهنا يكمن الفرق بين الشخص الذي تربى على إعمال عقله في التلقي وغربلة الأفكار التي يستقبلها وحثه على فهم مغزى إتيان الفعل من عدمه، وبين الشخص الذي تنبني تربيته على التلقي والحشو باستعمال الترهيب والتخويف وإقران ذلك بالعقاب في حالة مخالفته دون فهم سبب المنع والغاية منه.

ويعتبر الوسط الأسري أولى القنوات التي يتلقى من خلالها الطفل أولى دروسه في الحياة، وهي مصدر هام وأساسي في تكوين شخصيته وبالتالي ففي صلاح الأسرة صلاح الطفل وفي فسادها فساده، وباعتبار المجتمع المغربي مجتمعا ذكوريا بامتياز؛ فإن الأسرة فيه تعد مجالا خصبا للتحريض على العنف، حيث يتم تكريس تلك السلطة الأبوية داخل الأسرة والتي تمرر تلك الأفكار المسمومة للطفل الذكر على تعظيم شأنه واعتبار الأنثى كائنا من الدرجة الثانية فيستبيح تعنيفها وتسخيرها لخدمته وتضييق الخناق على حريتها.

كما أن استباحة الأب الكذب في بعض الأحيان للتملص من مسؤولية معينة، او استباحة خرق القانون وكذا استباحة إضرار الغير أو رمي النفايات في الأماكن العمومية أمام مرآى ومسمع الطفل، كلها إشارات يلتقطها عقل الطفل الباطن في عمر صغير ويستبيحها بدوره ما دام مصدرها من قدوته التي يسير على نهجها.

هكذا يلتحق الطفل بشخصية غير سوية وبأفكار مغلوطة لأحضان أمه الثانية، المدرسة التي من المفترض أن تكون مدرسة أخلاق وتربية قبل أن تكون مدرسة علم وتعلم، فيصطدم بواقع جديد يكرس ما تلقاه من البيت وتعمق ذلك الشرخ الأخلاقي في شخصيته، وأولى دروس الأخلاق التي يتلقاها هي درس نبذ وتجنب وعدم مصاحبته من يخالفه وتحسيسه بأفضليته على الغير وتوهيمه بأحقيته في الترفع والتعالي عليه، وبالتالي نقتل فيه ذاك الحس الإنساني بأهمية السلم والتعايش مع الغير رغم اختلافه في اللون والعقيدة واللسان.

كما تعمل المدرسة على ممارسة عنف عليه يتجسد في سياسة القلم الأحمر والعقوبات المنزلية وفي أحايين أخرى الضرب المباشرة في حالة إخلاله بإحدى واجباته المدرسية، وبالتالي تكريس ذلك الإيمان بضرورة فرض الرقابة والجزاءات على كافة تحركاته بشكل يضيق من حريته وينهش ابداعه ويعدمه في وقت مبكر، ويفقده ذلك الحس والرغبة في الاجتهاد في وقت يعد أكثر ما يحتاج إليه هو التشجيع والتنويه، فكلها ممارسات تترصد الأخطاء وتتفادى النجاحات ويقوي تلك التراكمات المكبوتة يضطر معها الطفل إلى محاولة الترفيه والتخلص منها بطرق مختلفة سلبية تتخذ في أحايين كثيرة ممارسة عنف مضاد ضد الأستاذ أو المعلم، أو المدرسة في أحايين عن طريق تخريب ممتلكاتها.

تعتبر كلها عوامل لا نلقي إليها بال، بل نلتقط فقط نتائجها المأساوية ونرصدها بعدسات هواتفنا ونتسابق لنشرها لجلب أكبر عدد من المشاهدات، وننفس عن مكبوتاتنا بدورنا في سب وقذف أصحابها بأبشع النعوت والألقاب.

وجب علينا إذن إعادة النظر في مفهوم الأخلاق، بشكل يستند إلى معيار المس بحرية الآخر وحقوقه، ومحاولة تحرير هذا المفهوم من القواعد الاجتماعية التي يجب غربلتها بشكل يتماشى مع العصر الذي ننتمى إليه، بالإضافة إلى مراجعة طرق تلقينها للأطفال وحثهم على إعمال العقل بدل الاكتفاء بحشو عقولهم كآلات بشرية، والأمر برمته يحتاج إلى جرأة واجتهاد في إيجاد حلول عملية، بدل البحث الدائم عن حلول جاهزة في مصادر لم تعد خصيصا للأمر.