هجرة النساء .. قراءة في الظاهرة بـ"أدرار"

الحسن بنضاوش: 

رغم كون الهجرة أقدم سلوك إنساني على البسيطة، عرفها جميع الأقوام والشعوب، باختلاف اللغة والثقافة والدين والموقع، تحدث لعدة أسباب أهمها العمل والبحث عن الآمن، أو من أجل طلب العلم، أو لاكتشاف العالم، تطورت مع الإنسان حتى أصبحت شيئا طبيعيا في حياة الإنسان أينما حل وارتحل .

وبالمغرب ، فالهجرة قديمة جدا، عرفها الإنسان المغربي من والى المغرب، ومن جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه، عبر العصور والأزمنة، غالبا ما يكون سببا اقتصاديا ومعيشيا . كان فيها الرجل المحور والمسافر، بداءا بالسفر من البادية إلى المدينة وهي الجهة الأكبر استقطابا ، قبل أن تكون من المغرب إلى دول أوروبية في بداية الاستقلال ، والى دول المشرق في نهاية القرن العشرين.

ولم تكن تعرف هذه الهجرة هجرة النساء، الا بعد ظاهرة هجرة الأسرة اثر تطور في المدخول بالنسبة للمهاجرين بالداخل، وتشجيعات من الحكومة الفرنسية في فترة ( الجيل الثاني) لمرافقة الاسرة إلى فرنسا بامتيازات في السكن والتعويضات، ساهمت في بروز هجرة أسرية نحو فرنسا بالخصوص، وهذا سمح للمرأة لمغادرة البادية في اتجاه الدول الأوروبية مع زوجها، بينما ازدادت ظاهرة التزوج بالمدن من طرف شباب سافر من أجل العمل .

واليوم وبعد سنوات ، برزت إلى السطح ظاهرة جديدة في الهجرة نحو المدن الهامشية في الغالب، تخص النساء فقط من فئات هشة، وفي وضعية اجتماعية صعبة، اما في حالة عزوبة أو أرملة أو متزوجة في وضعية فقيرة، تزداد بشكل كبير ، تنزف البادية والقرية، وتترك فراغا كبيرا، بل تناقص مستمر في عدد الساكنة.

هذه النساء في وضعية صعبة، وبعد استحالة العيش في ظروف صعبة، ومتطلبات الحياة الكبيرة، والمكلفة ماديا، وغياب شبه تام لآية مساعدة، أو مورد مادي يمكن الاعتماد عليه، يضطرن إلى المغادرة بدون مقدمات وأحيانا بدون علم حتى الأقارب، في اتجاه مدن الضواحي ، بيوكرى القليعة ، أيت عميرة ، سيدي بيبي، يكترين بيوت ويعملن في الضيعات الفلاحية أو في مهن أخرى ، كما لاتخلو بعض الحالات من الانحراف تحث ضغوطات الحياة ومصاريف العيش .

والخطير في الظاهرة أنها تشمل نساء متزوجات وأخريات عازبة، يقطعن العلاقة بالأصل والمحيط الذي غادرنه رغما عنهن، وبدون سابق إنذار ، بحثا عن الذات وانخراطا في حياة جديدة معقدة ، تولد عائلات متفرقة ، وانحرافات في الإفراد وسلوكيات انحرافية لايمكنها العودة إلى مسقط الرأس، إضافة إلى ما يحصل لبيوتهن في البادية من خراب جراء الإهمال، والغياب عنها، وخوفا من نظرة المجتمع القاتلة، وتعذر الحصول على نتائج الهجرة بالنسبة للأجيال السابقة والتي كانت مثمرة وذات حصيلة ايجابية .

وفي غالب البوادي هناك ظاهرة هجرة النساء، باختلاف الأرقام والحصيلة ، إلا أن الظاهرة في تزايد مستمر، وذلك لغياب مصادر العيش، وفرص العمل للذكور والإناث، وتحرر المرأة من السلطة الذكورية، وتزايد تكاليف العيش ومتطلبات الحياة الشخصية والعامة، هذا بالإضافة إلى التأثير والتأثر بتجارب نسائية سابقة إلى الظاهرة، وتزايد الطلب على نساء من أصول "أدرار" (المنطقة الجبلية).

وتفاديا لاستمرار هذا النزيف البشري لفئة اجتماعية مهمة جدا في ضمان الاستقرار، يبقى التحدي الاكبر في "أدرار" تنفيذ مشاريع تنموية مدرة لدخل، تجعل من الانسان العنصر الاساسي من أجل الاستقرار، والحد من الهجرة القاتلة لتلك المناطق والتي تندر بالخلاء في السنوات القادمة.