تحدّيات جمّة تواجه جماعة آيت اعميرة .. والرئيس: "منطقتنا محكورة"


رشيد بيجيكن: 

أُحدثت الجماعة الترابية آيت اعميرة بموجب التقسيم الإداري الذي عرفه المغرب سنة 1992، إذ انفصلت عن الجماعة الأم سيدي بيبي، وتبعد عن مدينة بيوكرى، حاضرة إقليم اشتوكة آيت باها، بـ 13 كيلومترا؛ فيما يفصلها عن أكادير، عاصمة سوس، حوالي 42 كيلومترا.

وتتمركز آيت اعميرة، التي تمتدّ على مساحة تصل إلى 169 كيلومترا مربعا بسهل اشتوكة، الذي يشكل امتدادا لمنطقة سوس، ويبلغ عدد سكانها أزيد من 90 ألف نسمة، إذ تستقطب المنطقة أفواجا متزايدة من الوفود البشرية من مختلف جهات المغرب، لما توفره من فرص عمل، لاسيما في المجال الفلاحي؛ وهو الأمر الذي ارتفع معه عدد السكان إلى النصف بين سنتي 2004 و2014.

"ثورة الإسمنت" سنة 2011، والتي تتجلى أهم تمظهراتها في بروز تجمعات سكانية بمختلف أرجاء تراب المنطقة، سادت العشوائية في تشييد آلاف البيوت داخلها، باعتبار البناء غير القانوني البديل الأقل تكلفة في الحصول على السكن، فرضت واقعا تنمويا "مهزوزا"، وجعلت الحاجة إلى مختلف الخدمات تتعاظم يوما بعد يوم. كما أفضى الواقع ذاته إلى مواصلة تسجيل صعوبات جمة في هيكلة تلك التجمعات، وبروز ظواهر اجتماعية غاية في التعقيد؛ فضلا عن الخصاص في أبسط ظروف العيش الكريم.

زيارة إلى أحياء ودواوير غير بعيدة عن مركز آيت اعميرة تبرز حجم التهميش الذي نال منها، بدءا باهتراء المسالك المؤدية إليها، وانتشار ملفت للنفايات المنزلية والفلاحية، ونقص في الإنارة العمومية. كما لازالت أزيد من 7000 أسرة محرومة من الكهرباء؛ أما الماء الصالح للشرب فتزيد انقطاعاته المتكررة من معاناة القاطنين، لينضاف ضعف الخدمات الصحية إلى سلة المعاناة، أمام نقص ملحوظ في الموارد البشرية وفي التجهيزات الضرورية داخل المركز الصحي لآيت اعميرة، دون إغفال ما تشهده جل المؤسسات التعليمية من اكتظاظ، يؤثر بلا شك على التحصيل العلمي لأبناء المنطقة.


محمد مهاوي، أحد القاطنين بدوار "أكرام"، قال في تصريح لهسبريس إن ساكنة عدة أحياء ودواوير لازالت تعيش في ظلام دامس، مضيفا: "رغم عدة أشكال احتجاجية من أجل المطالبة بالإسراع في ربطنا بشبكة الكهرباء، لازال الوضع مأزوما، ينضاف إلى معاناة الطبقات الفقيرة والمهمشة، إذ تحول الأمطار الأزقة إلى بحيرات تمنع المرور، ويساهم الظلام في انتشار مختلف مظاهر الإجرام، ما يفرض على السكان لزوم بيوتهم، واستعمال وسائل بدائية من أجل الإضاءة؛ فيما يُحرم الأطفال من إنجاز واجباتهم المدرسية في ظروف تليق بالإنسان".

ولم يخرج رأي محمد مهاوي عن انطباعات استقتها هسبريس من مواطنين آخرين، أجمعوا على أن آيت اعميرة منطقة استثنائية بامتياز، يتعايش فيها الفقر والتهميش ومختلف الظواهر المجتمعية السلبية، محولة إياها إلى بركة آسنة من الماء الراكد في مجال التنمية، تنتظر رفع "الحصار" عنها، ودفعها إلى التغلب على تلك الإكراهات التنموية، التي عششت لعقود من الزمن، وتتزايد يوما بعد يوم، بسبب استقطاب أفواج بشرية للعمل في القطاع الفلاحي والاستقرار بالمنطقة؛ ما يفرض تحديات الحصول على مختلف متطلبات الحياة، أولها المسكن وما يليه من ضروريات كالماء والكهرباء والطرق وغيرها.

بوبكر بنسيهمو، عن المركز المغربي لحقوق لحقوق، أورد في تصريح لهسبريس أن "الدولة مطالبة بفك طلاسم هذا الواقع التنموي المرير بجماعة آيت اعميرة، الذي تفرضه طبيعة المنطقة، باعتبارها نقطة جذب لليد العاملة التي تأتي من أزيد 40 إقليما"، وزاد: "المشاكل تتعدى السكن والكهرباء والماء، فهناك أخطر من ذلك، وهو تأثير النفايات الصلبة والفلاحية والمبيدات الكيماوية على صحة المواطن وعلى المجال البيئي، بالإضافة إلى استنزاف الفرشة المائية وتلويثها؛ ناهيك عن تدني الخدمات الصحية، إذ أصبح إلزاميا إحداث مستشفى للقرب يستجيب لحجم الكثافة السكانية بهذه المنطقة".


ويرى الفاعل الحقوقي ذاته أن المنطقة "لا يمكن انتشالها من قوقعة التهميش والفقر، التي تعيش فيها طيلة عقود من الزمن، دون إعداد مخطط إستراتيجي تنموي تساهم فيه القطاعات الوزارية ومجلس الجهة والمجلس الإقليمي والسلطات الإقليمية والجماعة المحلية وباقي الشركاء، ومنهم الجمعيات المحلية، لتنزيل رؤية تنموية وفق برامج تنموية ذات أولوية، تُعطى فيها للإنسان قيمة، عبر دعم القطاعات الاجتماعيات لتجاوز الخصاص المسجل فيها، ثم هيكلة الأحياء والدواوير بما يتطلبه ذلك من توفير الخدمات الأساسية من طرق وماء وكهرباء، وفضاءات ترفيه وملاعب رياضية ودعم الشباب وغير ذلك".

علي البرهيشي، رئيس الجماعة الترابية لآيت اعميرة، قال في تصريح لهسبريس إن جماعته "محكورة"، بحكم توفيرها عشرات الآلاف من فرص الشغل بالمغرب، وما تشكله من معادلة في صادرات المغرب من الخضر والفواكه، لكنها لا تستفيد منها، بسبب كون القطاع الفلاحي معفى من الضرائب، ما يُقابله ضعف الموارد المالية للجماعة؛ "الأمر الذي يصعب معه رفع كل تلك التحديات التنموية والخدماتية التي يفرضها الواقع الديمغرافي بالجماعة، وبالتالي فلا يمكن تجاوز ذلك إلا بتدخل فعال للدولة"، وفق تعبيره.

وأوضح المسؤول الجماعي أن برنامج عمل الجماعة يتضمن عدة مشاريع معقولة، من المتوقع أن تُغير وجه الجماعة، مردفا: "ونحن الآن بصدد البحث عن الشركاء من أجل المساهمة في تنفيذ كل المشاريع المبرمجة، إذ استجابت الجهة وشركة العمران، ووزارة الداخلية ووزارة التربية الوطنية ووزارة الصحة. أما بخصوص الكهرباء، وهو أكبر المشاكل، فيُنتظر الشروع في إتمام المشروع المتعلق بربط الأحياء والدواوير المحرومة".


"عدة مؤسسات تعليمية سترى النور بآيت اعميرة، بالإضافة إلى مستشفى للقرب ودار للولادة، بعد أن سلمنا قطعة أرضية لوزارة الصحة، مع فتح مراكز صحية جديدة. أما بخصوص قطاع الطرق فسيتم إنجاز عدد منها بمساهمة من صندوق التنمية القروية، ثم تأهيل عدد من الساحات والفضاءات الخضراء والشارع الرئيسي لآيت اعميرة، مع إحداث ملاعب رياضية وتأهيل الملاعب المتواجدة بعدد من الدواوير. أما في ما يهم الإنارة العمومية، فتعمل الجماعة على تغطية كل تراب الجماعة بهذه الخدمة، رغم ما تمتصه من ميزانية تتجاوز 500 مليون سنتيم"، يقول المسؤول ذاته.

وفي قطاع النفايات، قال علي البرهيشي إن "حجم المخلفات البشرية والفلاحية يربك عمل الجماعة في هذا الصدد"، وزاد مستدركا: "ورغم ذلك نعمل جاهدين على استمرار جمعها بشكل يومي (84 طنا يوميا)"، مردفا: "أما في الجانب الأمني فنطالب بإحداث مفوضية للأمن، أمام النقص الحاصل في الموارد البشرية بالمركز الترابي للدرك، وحجم التحديات المفروضة على عمل عناصر الدرك، متمثلة في شساعة المجال الجغرافي والكثافة السكانية المرتفعة..أما في مجال الماء فتسير الجماعة جزءا من الخدمة، وبخسارة مالية؛ وفي الدواوير تتكلف الجمعيات بها. وأشير إلى أن مصالح قطاع الماء ترفض في الوقت الراهن أن تُدبر هذه الخدمة، بداعي انتظار محطة تحلية مياه البحر".

هي إذن جماعة تنتمي إلى المجال القروي باشتوكة آيت باها، يستوجب النهوض بأوضاع الساكنة بها تدخلا حقيقيا لإدارات الدولة، وانخراطا واسعا للمجتمع المدني، بحكم حجم الرهانات المطروحة، والتي يفرضها الخصاص في البنيات والتجهيزات الأساسية، والنقص في تأهيل وهيكلة الأحياء، وخدمات القرب الحيوية؛ بالإضافة إلى تحديات قطاع النظافة والتطهير الصلب والسائل والجانب البيئي والحقوق الثقافية والاجتماعية للشباب والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة، ودعم البنيات الصحية والتعليمية وغيرها.