المغاربة في حاجة إلى استشفاء تاريخي

بقلم عبد الله بوشطارت

باث من المؤكد أن قسطا كبيرا من المغاربة ومعهم جزءا مهما من المغاربين في شمال افريقيا، يعانون من أزمات حادة ، وأمراض مستعصية لها علاقة بالهوية وأزمة ثقافية عميقة نتيجة لضربات قديمة ومتراكمة تعرضوا لها باستمرار منذ القدم، خلال فترات تاريخية متعاقبة، هي ضربات وصدمات مست جوهر الشخصية المغربية/ المغاربية.

اقتبست مصطلح الاستشفاء التاريخي من الدكتورة حليمة بنغازي، مؤرخة متخصصة في التاريخ القديم بشمال افريقيا. وارتأيت أن أشارككم هذه الفكرة بعد أن اقتنعت بها تمام الاقتناع. 

هل المغاربة في حالة مرضية؟ هل هم يعانون من أزمات هوية وثقافة وازمة وجود ؟ صحيح ما نعيشه اليوم، وما نتابعه في كل أقطار شمال افريقيا من تطورات وتحولات مجتمعية ينذر بأزمة عميقة تزداد حدة يوما بعد يوم. أزمة هوية ناتجة عن تمزق داخلي فكك الشخصية المغاربية وشتت وعيها الثقافي. وذلك لاسباب كثيرة أهمها الجهل التاريخي، وما عرفه العقل المغاربي من تكثيف لمختلف الافكار والايديولوجيات التي جعلت من المغربي يفتخر ويعتز باحتقار الذات. أو ما يسميه المؤرخ الانثروبولوجي مصطفى قادري ب "وطنية باحتقار الذات". 

وتجليات هذه الامراض كثيرة ومنتشرة جدا، أهمها بعض الامازيغ الذين يظهرون على وسائل التواصل الحديثة وهم في منتهى التعصب وحالات نفسية شاذة ومريضة، يتكلمون عن تشبثهم بالعروبة ويسبون ويشتمون الامازيغية والمدافعين عن الهوية الامازيغية وثقافتها ولغتها . وظهر أحدهم وهو كبيرهم الذي علمهم الحمق والحقد والهذيان، وهو يستقبل باحث من اليمن يؤكد له أن أصل المغاربة من حمير. لن أجادل الكذاب ما دمت أعرفه أن كاذب ولكن حتى لا تنطلي أكاذيبه على الاخرين فلابد أن نذكره بأن اسطورة ربط الامازيغ بالنسب الحميري اليمني هي اسطورة وخرافة صنعها بعض النسابة العرب لربط الامازيغ بالاصل العربي المشرقي وبالتالي مع الخلافة الاسلامية (الاموية والعباسية ) إبان الصراع التاريخي الذي كان بين الامازيغ والعرب بالمشرق بعد اعتناق الامازيغ للمذاهب الشيعة والخوارج وأسسوا مذاهب وديانات خاصة بهم بعد معاناتهم من بطش وعنف وسبي العرب وأمرائهم الذين كانوا يمثلون الخلافة في المغرب خلال العصر الوسيط الأعلى، واستقلوا عن الخلافة المشرقية، وقد تصدى الامازيغ وخاصة الاباضيين لهذه الخرافة وكتبوا أنسابهم بكل جرأة وافتخار . وهي الانساب التي اعتمد عليها ابن خلدون في كتبه. ولكن أهم مؤرخ ونسابي جعل أكذوبة الاصل الحميري تتفكك على صخرة الحقيقة هو المؤرخ إبن حزم المشهور الذي قال بصراحة أن فكرة الاصل الحميري للامازيغ فكرة باطلة وأكذوبة. 

عدم وعي المغاربة بهويتهم الامازيغية هو نتيجة لجهلهم للتاريخ الطويل لوطنهم ولثقافتهم . فتاريخ المغرب هو تاريخ طويل جدا، وممتد أغلبه غير معروف وكله ينسب للاخر، وللاسف ينسب للغزاة إما للوندال او القرطاجيين او الفنيقين او الرومان او بيزنطة او للعرب والاتراك و البرتغال او فرنسا واسبانيا.... 

فالثقافة والهوية والحضارة واللغة هي أشياء لا يمكن صناعتها في ظرف 50 سنة أو 100 سنة هي عمليات ذات سيرورة تاريخية غير منقطعة في الزمكاني وطويلة الامد. فحين نتحدث عن شخصية المغربي وتميزها عن شخصية الانسان المشرقي او الاسيوي فإننا نتحدث عن شخصية وكينونة ممتدة في التاريخ، صنعت قديما وتطورت عبر الزمن في علاقتها مع الاخر والمحيط. فدراسة مقاومة الامازيغ خلال القرن العشرين فيقتضي معرفة تاريخ المقاومة الامازيغية عبر التاريخ منذ القدم كفترة تيهيا ويوكرثن وأكسيل وما سبقه من تاريخ غير معروف وكذلك نفس الشيئ بمسألة تعلق الامازيغ بالارض وقضية الانفتاح والتدين وتاريخ الافكار كذلك .... 

إن معرفة التاريخ الامازيغي للمغرب ودراسته بطرق حديثة للمغاربة قد ينجيهم من عدة أمراض ويشفيهم من عقد نفسية خطيرة تؤدي بهم إلى احتقار ذواتهم والافتخار بهوية ليست هويتهم ولغة بلغتهم.... 

جلست في مكان وأتصفح هذا العدد من مجلة l Histoire عدد 78 يناير 2018 وهي مجلة فرنسية محترمة خصصت العدد بالكامل للامازيغ منذ سانت اوكوستين إلى زين الدين زيدان. فطلب شخص كان يجلس بالقرب مني المجلة معتقدا أنها متاحة للتصفح في ذلك الفضاء لقتل الوقت ...فاستغرب ما علاقة زين الدين زيدان بموضوع المجلة وشرحت له أصل زيدان من القبايل وهو قريب من مكان ولادة القديس اوكوستين من منطقة تاكاست سنة 354 م . فاكتشفت ان الشخص لا يعرف حتى سانت اوكوستين كذلك....فتطوعت باستشفائه ولو في لحظة قصيرة جدا حيث اكتفيت 

بتقديم بعض الادوية المستعجلة ... 

الله ايشافي الجميع.