أثر التربية الاسلامية في توجيه الناشئة ومعوقاتها المعاصرة

مصطفى جبرك 

من تتبع مختلف الأحداث في العملية التعليمية التعلُّمية التي لها علاقة بالقيم من جهة، والتربية والتعليم من جهة أخرى، سيلاحظ مدى ضعفها ووصولها إلى درجة من الانحطاط والتدني حتى جعلت بعض التلاميذ يجهرون السكاكين في وجوه أساتذتهم ومربيهم، بل ويطعنونهم بطعنات في وجوههم، ويهددونهم مما يفرض علينا أن نعجل بحلول ولو ترقيـعية لنهذب سلوك الأبناء، والتدرج بهم لتزكية نفوسهم، ورقي أخلاقهم، وحسن تربيهم. 

وتعدّ مرحلة الطفولة من أهم مراحل حياة الإنسان، فهي محط أنظار الجميع، وفترة زرع القيم والأخلاق في نفس الطفل، ذلك أن الأولياء والمربّين بذلوا جهودا مضنية في تربية أولادهم تربية صالحة، فاحتضنتهم المدرسة العصرية قصد التعلم، وتقويم السلوك، ووفروا لهم كل المتطلبات من أجل إنشاء جيل صالح، يكون خير خلف لخير سلف، وهي ولا شك مرحلة دقيقة تؤسس لأهم فترات أصول التربية، وتُرسِّخ لقوانين تأديب الصبيان وتعليمهم، وعن أهميتها وحساسيتها يقول المربي الكبير ابن الجزار القيروانِي: "إن أكثر الناس إنما أُوتو فِي سوء مذاهبهم من عادات الصبا إذا لَم يتقدمهم تأديب وإصلاح أخلاقهم، وحسن سياستهم..[1]". 

معوقات التنشئة السليمة في المجتمع المعاصر: 
يظهر أن أسباب فساد القيم وانحلال الأخلاق في المجتمع المعاصر كثيرة، أهمها: تراجع دور الأسرة في توجيه الأطفال نحو القيم الفاضلة، والخصال الحميدة، فتركوا التربية للمجتمع، فتأثر الشباب بسمومه الكثيرة، ومفاسده المتعددة، أضف إلى ذلك وسائل المواصلات الحديثة بشتى أنواعها، دون مراقبة الآباء، وكذا الرفقة السيئة التي تفسد أخلاق الشباب فتأثروا بتلك المؤثرات، ومحال أن نقضي على هذه الأسباب لأنها في تزايد مستمر يوما بعد يوم، في وقت نجد تراجع مستوى التربية على الأخلاق، ونستنتج من هذه الخلاصات أن مُفسدات الأخلاق ومعوقاتها في تزايد صاروخي، ومُصلحات الأخلاق وتقويمها في تناقص حاد جداً، وصدق الشاعر لما قال في مثل هذا: 

متى يبلغِ البنيانُ يوما تمامَه * إذا كنتَ تبنِي وغيركَ يهدمِ 

مرحلة المراهقة ومخاطرها التربوية: 
ومن هنا سنحاول الانتقال إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الإعدادية، والثانوية، التي يعرف فيها الطفل أو الشاب مجموعة من التغيرات على مستوى فكره من جهة، وعلى مستوى بدنه التي يعرف فيها تغيرات بيولوجية من جهة أخرى، فتعد هذه المرحلة من أخطر مراحل حياة الإنسان، لأنه يتشكل لديه عقل آخر، ويستقبل أفكار ومعتقدات، وآراء وتصورات من الخارج، من المحتمل أن تكون صائبة، أو خاطئة وربما فاسدة، يمكن أن تهوي به في الضلال، وأن تجعله ينحرف، وبالتالي ستدمّر حياته، ويضيع مستقبله، ويلحق الضرر بالمجتمع. 

هل الهدر المدرسي سبب في انحلال أخلاق الشباب ؟ 
لا شك أن الهدر المدرسي زاد لفساد أخلاق الشباب أضعافا مضاعفة، فكان بمثابة فتحة صغيرة ينخر منها دم كثير يسيل جريانه في قلب المجتمع المغربي المعاصر، وأبرز مثال على ذلك، تلكم الإحصائيات المخيفة التي أصدرها المجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2017 التي أتثبت أن المنقطعين عن الدراسة في المجال القروي يعدون بالآلاف، إذ نجد في قسم الإبتدائي 41 ألف و 915 تلميذ، وفي الإعدادي 58 ألف و 33 والثانوي 8 ألف و 452 وهي أرقام صادمة، تدل على مستوى التربية في بلادنا وأنها بلا شك تحتضر في غرفة الانعاش، وتتجه على المديين المتوسط والبعيد نحو الانتحار الجماعي. 

أما في المجال الحضري، فقد انقطع عن التدريس في الابتدائي 20 ألف و 561 تلميذ، وفي الإعدادي 53 ألف و 253 وفي الثانوي 35 ألف و 927 بمعنى أن أغلب هؤلاء ليس عندهم تكوين ولا مستوى علمي، ولا ثقافة، فمن أين ستأتيهم القيم والأخلاق ؟ ففي كل سنة نجد عشرات الآلاف من الشباب الضائعين يخرجون من المدرسة دون تربية. 

ولهذا نجد كثرة المنحرفين ملئت بهم الشوارع، وكذا الذين يسرقون اكتظت بهم السجون، حتى إن المندوبية العامة لإدارة السجون تفكر في رفعها من 78 سجن حاليا إلى 90 في أفق 2020 في وقت نجد فيه عددا من الدول كالسويد لديها سجن واحد، وتفكر في إزالته بصفة نهائية أواخر هذه السنة، فكأننا نخطط لاحتضان المنحرفين واحتوائهم في دهاليز السجون، فقد أثبتت مصالح الأمن أن عدد الجرائم التي رفعت للأمن في النصف الأول من السنة الماضية تجاوز 52 ألف و 876 جريمة، والآخرون يخططون للقضاء عليها، وتوجيه المنحرفين نحو الشغل، وإدماجهم في المجتمع. 

فيجب أن نستفيد من تجارب الآخرين سيما الدول الراقية فكريا كدولة اليابان مثلا التي تدرس طيلة الصنف الإبتدائي الأخلاق الفاضلة والتربية على القيم الحسنة دون مراعاة تخصص المتعلمين، حيث إن الجميع يُكوَّنُون في الأخلاق تكوينا موحدا أولا، ثم بعد ذلك يأتي التخصص والتوجيه، ولذا نجد الجرائم في اليابان قليلة جدا جداً، لأن قلوبهم ملئت بالأخلاق، ونفوسهم عامرة بالقيم الحسنة، وطبائعهم ممزوجة بالتربية على المواطنة. 

استـنتاج : 
إذا فعلينا أن نغتنم هذه المرحلة الصعبة والخطيرة، وذلك باللجوء إلى حفظ القرآن الكريم وتلاوته خصوصا في المساجد لما له من أجر عظيم في الدنيا وفي الآخرة، لأنه يقوم بجلب النفع للإنسان، ويزيح عنه الضرر، ولأنه من جهة أخري يهذب الأخلاق، ويقوم السلوك، ويربى الصغار على التربية الصحيحة السليمة، وما أكثر دُور القرآن والمساجد، ولكن الشباب فيها قليل، خلافا لقاعات اللعب وملاعب الكرة والملهيات يزدحم فيها الشباب ويندفعون نحوها. 

وأنا لست ضد تلك الملهيات بل يجب علينا أن نروح على أنفسنا ولو ساعة كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن نتنزه في الحدائق والأماكن العامة، لكن الذي لا أرضاه لإخواني الشباب هو انغماسهم بالكلية في تلك الشهوات، وبذلك يكون أولئك الشباب الذين حفظوا القرآن، وتربوا على مقاصده يختلفون جملة وتفصيلاً عن أولئك الآخرين، لأن حفظة القرآن من أهل الله، مصداقا لعموم الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن لله أهلين من الناس، قالوا يا رسول الله: من هم ؟ قال أهل القرآن، وأهل الله وخاصته[2]" . 

إشكالية فراغ الوقت عند الشباب: 
وكما أن الشباب في هذه المرحلة الدراسية تكون لديهم بعض الأوقات والساعات الفارغة إلى جانب الساعات والأوقات التي يدرسون فيها، فلا حرج في تنظيم أوقات الفراغ وملئها بحفظ كتاب الله، مع مواكبة الاجتهاد في التعليم النظامي آنذاك يمكن أن تحقق نجاحك وتستفيد في تلك الدراسة من علوم وخبرة تخدم دينك وتعينك في دنياك. 

ومما يجب التنبيه إليه أكثر فأكثر هو شغل أوقات الفراغ بالقرآن، لأن الشباب والفراغ من الأمور التي تساعد على الانحراف، وفي السياق ذاته نجد هذه الفكرة تتبلور لدى الكاتبة " فتيحة حن سليمان" حين قالت: "واهتم الغزالي بشغل أوقات فراغ المتعلم مبيناً بذلك إدراكه أن الشباب والفراغ من الأمور التي تساعد على انحراف خلق الشباب وسعيه إلى إيجاد وسائل للترفيه قد تكون غير صالحة وبَيَّن أن شغل أوقات فراغ المتعلم القراءة -وخصوصا قراءة القرآن والمؤلفات الدينية- حتى يستعين بها على تمضية أوقات فراغه..[3]" . 

فالإنسان يولد معتدلا وصحيح الفطرة، لكن هذه الأخيرة تكون ناقصة التكوين ولا تكتمل إلا بالتربية الصالحة التي تعتبر من العمليات الخطيرة الغير اليسيرة، والتي يتميز بها المرء الحافظ والقارئ لكتاب الله عز وجل، كما يؤدي به ذلك إلى فهم عقيدته، وتصحيح عبادته، وضبط سلوكه، والوقوف عند حدود الله في حلاله، وحرامه، وأمره ونهيه، وأن يسير على الطريق المستقيم، لأن كل من أخطأ الطريق ضلّ، ولا ينال المقصود قلّ أو جلّ. 

ومن الجدير بنا أن نعرف مدى أهمية وحسن مزاوجة حفظ القرآن الكريم مع التعليم العصري، لما له من فائدة وأجر عظيم في الدنيا والآخرة، لأن خير ما ينشأ عليه المرء في صغره هو القرآن الكريم لكونه هو الدستور القويم والحبل المتين. 

أهمية مزاوجة بين حفظ القرآن الكريم والتعليم العصري: 
إن الجمع بين حفظ كتاب الله تعالى والتعليم العصري ضروري لتحقيق نوع من التوازن الروحي في الحياة، وخاصة للأطفال الصغار السن الذين يدرسون بالمرحلة الابتدائية، نظرا لكونهم يملكون متسعا وفائضا من الوقت، لذلك يجب عليهم إملاء هذا الفراغ بحفظ القرآن الكريم وتعليمه وتلاوته. 

ومما لا شك أنه ينبغي أن تكون الأولوية للقرآن الكريم ففيه خيري الدنيا والآخرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين[4]" وقال النبي صلى الله عليه وسلم "خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه"[5]

وقد نبه ابن خلدون قديما إلى أهمية تربية الناشئة سيما في المرحلة الأولى من التعليم كقراءة القرآن، وحفظ بعض أجزائه، أو حفظه كاملا، ويحدد ابن خلدون السبب في ذلك بأن "أهل الملة متفقون في القول بأن القرآن يجب أن يسبق كل شيء إلى قلوب التلاميذ ليرسخ في قلوبهم الإيمان وعقائده، كما أنهم متفقون في القول بأن ذلك مما يجب أن يتم في الصغر[6]" . 

ومن هنا نؤكد بأن تعليم القرآن الكريم وحفظه للأطفال، يجب أن يكون أَوْلى وأسبق في التربية، نظرا لكون عقل الطفل الصغير خفيفاً، ولديه سرعة الحفظ، فعليه أن يستغلّها وأن لا يضيعها قبل فوات الأوان، وأنه أصل من أصول الدين، فبه يتعلّم حب ربه، وترسخ في قلبه قيم الإسلام منذ نعومة أظفاره، فينير قلبه بالحكمة والصلاح، ويدفع الضلال، وما هو مخالف للفطرة، ويشرح صدره للإسلام ليكون بذلك على نور من ربه، ويزيل كذلك الضيق والهم والغموم، كما تدل على ذلك بعض الأرجاز التي ينشدها الطلبة والفقهاء في مجالسهم من قبيل: 

إذا كنت في هم وضيق وشدة * وتقرأ كتاب الله تنج وترحم 

مثال جميل فيه عبرة لمن يخشى: 
أعجبني كثيرا مثال رائع يلخص بإجمال المعاني السالفة، وقفت عليه لما كنت أطالع كتاب وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم، قال مؤلفه: "فلو أننا افترضنا أن صديقا أرسل إليك رسالة، وأنت تحب صديقك هذا، أنّك ستقرأ الرسالة أكثر من مرّة، وستقرؤها بعناية شديدة، فكيف إذا كان الذي بعث إليك الرسالة هو الله عز وجل ؟ [7]" إذا فعلينا أن نخشع لتلاوة القرآن، وأن نتدبر معانيه، وأن نكرر ختماته، وأن لا نقرأ كتاب الله كما نقرأ باقي الكتب الأخرى. 

مسك الختام: 
وأظن أن في هذا القدر كفاية، ولطالما أرجو أن تكون هذه التوجيهات والنصائح طريقا لي أولا، ولشبابنا المعاصر ثانياً، لاقتفاء أثرها لتكون للتربية الإسلامية أثر في توجيه الناشئة في هذا العصر، وأعترف أن مستواي لا يزال في بداياته، لكن ذلك لا يمنعني أن أساهم قدر الإمكان في إثارة بعض المعوقات التي تحول دون تطبيق الأخلاق السليمة، والأفكار التي تساعد على تنزيل القيم الفاضلة في مجتمعنا المعاصر، لعلها تجد آذانا صاغية لدى صناع القرار التربوي في بلادنا، لينزلوها على واقعنا الحديث، بل ولم لا أن يقننوها ضمن هياكل قوانين التربية، لإضفاء نوع من المزج بين الأخلاق والقيم من جهة، والتربية والتعليم من جهة أخرى. وكتبه محبكم وناصحكم مصطفى جبرك، ببوكرى ليلة السبت 10 مارس 2018. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين. 

[1] - سياسة الصبيان وتدبيرهم لابن الجزار القيروانِي) ص/ 135 (تحقيق الدكتور محمد الهيلة نشر الدار التونسية/ 1968. 
[2] - مسند أحمد مسند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه مسند رقم الحديث [12279] . 
[3] - مذاهب في التربية بحث في المذهب التربوي عند الغزالي ص/ 66 مكتبة النهضة مصر القاهرة الطبعة الثانية/ 1924. 
[4] - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين باب فضل من يقوم بالقرآن، ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه، أو غيره فعمل بها وعلمها، رقم الحديث [817]. 
[5] - صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه [5027]. 
[6] - راجع مقدمة ابن خلدون ص/ 505- 506 تحقيق خليل شحادة نشر دار الفكر بيروت الطبعة الثانية/ 1988. 
[7] - من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم للأطفال ص/ 108-109 نشر دار الفجر للتراث الطبعة الثانية/ 2007 .

مصطفى جبرك
تلميذ بثانوية الجولان –اشتوكة أيت باها-