مهرجان تَلْكيثارتْ: الفرجة دعامةٌ لمشروع ثقافي

يوسف غريب: 

سأترك جانبا الحديث عن الأثر الايجابي الذي خلفه مهرجان تلبرجت الدولي للقيثارة / تلكيثارت لدى ساكنة المدينة .. وأيضا انطباعات وارتسامات ضيوفه من مغاربة وأجانب ...ويكفي أن أذكر بأن قوة هذا المهرجان تكمن في أن الفكرة ولدت داخل حي ومستنبطة من شباب الحي واجتمع حولها الناس في أقل من يومينمما جعل التظاهرة فعلا تؤسس لجيل جديد من المهرجانات بأفق ثقافي يعيد الاعتبار للذاكرة والتاريخ ويثمّن الجغرافيا والمكان...

لكن المهرجان أيضا وبهذا المستوى الفني الرفيع وتنظيم بلمسة احترافية وتسويقي اشهاري باهر...بهذا المستوى المهرجان أسقط وبشكل نهائى وَهْم الاعتماد على المركز( البيضاء وغيرها) في تنظيم التظاهرات بالمدينة ...بل أبرز حقيقية أساسية مفادها أن الاعتمادات المالية الباهضةلاتصنع الا مهرجانات البهرجة الفارغة من أي محتوى أوروح ؛ من هنا أعتبر تلكيثارت ولدت من رحم الشعب كفكرة وابداع وتدبير واخراج من أبناء المدينة الذين فجروا طاقاتهم وقدموا لساكنة المدينة وضيوفها لحظات انسانية حميمية ولمدة ثلاثة أيام بحديقة ( أولهاو) الحاضنة لمنصة طبيعية بخلفية جمالية أبهرت كل الفنانين الذين تناوبوا على ركحها منوهين وبدرجة عالية بالكفاءة المحلية المشرفة على هندسة الصوت والانارة ...اخراج بهذا الشكل كسر فكرة الحواجز بين المنصات والجمهور... وأنهت بشكل قاطع مع سلوكات المقاعد الامامية المحجوزة... وثقافة البراسلي... وانتظار الوفد الرسمي .. مما جعل من العروض الفنية المقدمة داخل الحديقة امتداد طبيعي لعروض الشارع وحتى تلك الدعوات كانت من باب الاحتياط فقط لا غير .

لان الاصل في تنظيم المهرجان لدى المنظمين يتجاوز الفرجة نحو تأسيس مشروع ثقافي يؤمن بالعلاقة الحيوية بين الفن وبناء الانسان والمدينة والمجتمع باعتباره منتجاًاجتماعيا رمزيا وعلائقيالذلك لا غرابة ان يستهدف المنظمون حي تلبرجت التي كانت بالامس القريب من أكثر"،

أحياء المدينة اهتماما بفنون المسرح والسنيما والموسيقى والتشكيل ...هو حي لا تشعر فيه بالترف أو السرف ولا تلمس فيه خديعة المَدنيَّة التي يعتبرها البعض نوعا من الترقي ...مما يسّرعلى ادارة المهرجان تحقيق نوع من السبق باستضافة العازفين الاجانب داخل

فنادق الحي ومشاركتهم وجبات الاكل وبشكل تلقائي وحميمي مع طاقم المهرجان ... لا فرق بين رووبفالينسي ذو القاعدة الشعبية بالملايين وبين حارس ليلي ملحق ضمن الطاقم ...هذا الاندماج الانساني بقدر ما أنعش تلك المطاعم الشعبية التي يصل فيها انتظار الوجبة الى 20 دقيقة بقدر ما كسب المهرجان ثقة كل العازفين العالميين الذين تحولوا الى سفراءتلكيثارت عبر أنحاء العالم بل تحولت تلبرجت الى تحقيق حلم العازف العالمي المشهور مييكيل من الشيلي باللقاء الفنان مارسيلو الايطالي بعد محاولات متعددة ولاكثر من خمس سنوات .

نعم .ان قراءتنا للمعطيات سنجد ان أهداف الدورة الاولى قد فاقت كل التوقعات المرسومة سلفا فمن خلال 48 عرض موسيقي موزع على اربعة منصات ثنائية بممر علال بن عبد الله ومنصة للمواهب جوار سنيما الصحراء اضافة الى منصة الرسمية في تفاعل لساكنة المدينة وضيوفها باكثر من 11الف متفرج وزائر طيلة الثلاثة أيام وانعكاس ذلك على فناذق الحي ومطاعمه وتنشيط العملية التجارية به دون أن تخلف التظاهرة اي انفلات امني...ويكفي هنا الاشارة الى تصريح العازف البلجيكي (ستيف هوبن) وهوفي نفس الوقت المير العام بالنيابة للمعهد الملكي للييج حين لا حظ الانعدام الشبه الكلي لرجال الامن وانخراط الجمهور ومساهمته في التنظيم بشكل ارادي مسؤول ...صرح العازف تلكيثارت ستصنف عندي ضمن المهرجانات الانسانية العالمية ...والي لا يعرفه هدا العزف وغيره من الاجانب ان تلكيثارت اعادتنا لا كتشاف جمالية المكان نحن المحليون وأكاد أجزم أن من بين الحاضرين من لم تطأ قدميه حديقة اولهاو طيلة اقامته بالمدينة ..بل ان السهرة الرسمية تحولت الى موعد لصلة الرحم بين أصدقاء طالت مدة الفراق بينهم .

كل هذا وأكثر لم يأت من فراغ بل من مجهود جماعي لخلية عمل أعضاؤها بحدود أصابع اليد اقتنعوا بالفكرة وانخرطوا في الاعداد للمهرجان منذ غشت 2017 يمتد فيه الليل بالنهار مع اقتراب الموعد ... وبروح نضالية عالية وتطوعية ومن مختلف الحساسيات ...تركوا مسافة بين قناعاتهم الفكرية وانتصروا للمشترك الحي/ المدينة ...

لهؤلاء ولكل جنود الخفاء نخلع قبعتنا وننحني احتراما وتقديرا
فقد علمتنا تلكيثارت اننا قادرون على رفع التحدي هنا وفي مجالات أخرى ....اذا اجتمعنا على المشترك في بيننا 
قادرون ...اذا تواضع البعض منا 
قادرون...