مشعل الامازيغية في الجزائر ومشعل فلسطين في المغرب

بقلم عبدالله بوشطارت 

حين جلس عبدالعزيز بوتفليقة على كرسي رئاسة جمهورية الجزائر سنة 1999 صرح بلسانه وبكامل قواه العقلية، أنه لن يسمح بأن تكون اللغة الامازيغة لغة وطنية في الدستور مادام على قيد الحياة. قال وطنية ولم يقل رسمية لانها اصلا في نظره يعتبر ذلك من المستحيل واللامفكر فيه قطعا، وبالأحرى ذكره. 

بعد أقل من سنتين إندلعت انتفاضات عنيفة جدا هزت منطقة القبايل بكاملها في أبريل 2001 بعد ان قام الدرك الجزائري باغتيال الشهيد الشاب ماسينسا كرماح وكان ذلك بمثابة الشرارة الاولى لاندلاع الربيع الامازيغي الاسود الذي قمعه النظام الجزائري بالرصاص والدبابات والمدافع واسفر عنف الدولة وهمجيتها، عن استشهاد ازيد من 120 شهيد أغلبهم شباب ( شاهدت جميع صورهم معلقة بجانب قبر عريس الشهداء معتوب لوناس في زيارة قمت بها الى تاوريرت نموسى بالقبايل سنة 2008 ). 

بعد هذه الانتفاضة الامازيغية المجيدة تراجع بوتفليقة (هو من أصل أمازيغي مزداد بمدينة وجدة المغربية) تراجع عن وعده ، وقام باصلاح دستوري وأدرجت فيه الامازيغية كلغة وطنية. حينها كان بوتفليقة يتشدق بالوئام المدني وبالمصالحة الوطنية وبإنصاف الامازيغية. في الانتخابات الرئاسية في 2004 وانتخابات 2009 كان المرشح فوق العادة، عبدالعزيز بوتفليقة يجد حرجا كبيرا في الحملة الانتخابية بالمناطق الامازيغية خاصة القبائل، التي تعلن دائما بشكل صريح معارضتها للرئيس بوتفليقة. وعادة ما يقوم بخطابات انتخابوية لدغدغة عواطف االامازيغ مثلا حين قال في تيزي وزو ." أنا أمازيغي والجزائر امازيغية منذ عهد ماسينيسا ويوكرثن ......" واضاف في خطاب آخر أن الجزائر لا يمكن ان تفرط في الثوابت الثلاث الاسلام والعروبة والامازيغية. 

هكذا مع مرور الزمن يقتنع عبدالعزيز بوتفليقة بقوة ومشروعية القضية الامازيغية التي اضحت تتزعم الحراك والتغيير في الجزائر لاسيما بعد ظهور احداث ودينامية جديدة بمنطقة المزاب بمدينة غرداية حيث ظهرت القضية الامازيغية بخصوصية مذهبية حيث يعتنق المزاب المذهب الاباضي الذي كان في الاصل مذهبا مقاوما لغطرسة الامويين بشمال افريقيا. (موضوع آخر يستحق العناية). وقامت الدولة الجزائرية بعد سنة 2014 بتأليب الصراع العرقي بمنطقة غرداية واعتقال العديد من النشطاء الامازيغ على رأسهم الزعيم الدكتور كمال الدين فخار. هذا دون أن ننسى التصريحات العنصرية التي يتهكم فيها الوزير الاول أنذاك عبدالمالك سلال على أمازيغ غرداية وادت الى موجة غضب عارمة للامازيغ. 

لكن نقطة التحول في مسار نضالات الامازيغ في الجزائر هي تأسيس حركة المطالبة بالاستقلال الذاتي بمنطقة القبايل المعروفة اختصارا ب الماك MAK . حركة توجت بخلق حكومة في المنفى برئاسة زعيمها فرحات مهني. وهو منعطف حاسم في تاريخ الحركة الامازيغية بالجزائر. جعل النظام الجزائري أمام رهان ومشروع سياسي يطالب بدولة أمازيغية بديلة عن دولة العروبة. 

وبالمناسبة فإن الجزائر عرفت وعيا مبكرا بالقضية الامازيغية بخلاف المغرب، وذلك ما جعل التراكم النضالي في الجزائر يتميز بالزخم وبالنضج وبالحصيلة العلمية والادبية والثقافية والسياسية اكثر من أي بلد آخر في تامازغا. فالوعي بالهوية الامازيغية بزغ في الجزائر منذ أواخر القرن 19 م .(للمزيد أنظر سالم شاكر إيمازغن أسا..). 

وفي دستور 2016 تم ترسيم اللغة الامازيغية كلغة رسمية في الجزائر، بعد 5 سنوات من ترسيمها في المغرب بعد انتفاضة حركة 20 فبراير. ويظهر بشكل جلي التنافس على الامازيغية بين النظامين الجزائري والنظام المغربي. جاءت رسمية الامازيغية في الجزائر والرئيس بوتفليقة مصاب بجلطة دماغية ومقعد على كرسي متحرك.. في حين الامازبغية تستعيد حيويتها ونهضتها وتكتسب حقوقها المشروعة. 

مؤخرا قبل شهور سنة 2017 قام البرلمان الجزائري برفض مقترح قانون متعلق بتطوير تدريس اللغة الامازيغية في جميع مناطق الجزائر، ونتج عن ذلك خروج مظاهرات كثيرة في مختلف المدن والجامعات والثانويات بالمناطق الامازيغية وتم الدخول في اضرابات مفتوحة ومقاطعة الدروس. أسابيع بعد ذلك تم توقيع قرار جعل يوم رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا ويوم عطلة مؤدى عنه في الجزائر، وذلك في اجتماع لمجلس الوزراء، القرار وقعه الرئيس بوتفليقة مع قرار آخر ينص الحكومة على التسريع في اخراج اكاديمية اللغة الامازيغية والعناية التامة بها في جميع مؤسسات الدولة. ويكون بهذا القرار بوتفليقة أول رئيس دولة في التاريخ يقوم بجعل رأس السنة الامازيغية عيدا وطنيا ورسميا. وهو مطلب تاريخي للامازيغ في العالم. 

في المقابل ماذا جرى بالمغرب ؟ 

الذي جرى هو أن فريق العدالة والتنمية الذي يحتل الاغلبية في مجلس النواب، قام بإيقاف جلسة برلمانية كانت مخصصة لمنقاشة مشروع القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة االامازيغية، قام الاسلاميون بوقف الجلسة لاستقبال زعيم حركة حماس الاسلامية في فلسطين الذي جييء به الى المغرب في ظرفية سياسية عصيبة داخليا واقليميا ودوليا حيث لازالت تداعيات قرار ترامب حول القدس واحتدام الصراع بين دول الخليج والصراع على السلطة في السعودية ومظاهرات في ايران وتحركات تركيا وازمة بين تونس والامارات ومصير الحرب في سوريا وعلاقته بحزب الله وايران....دون أن نغفل خطة الرئيس الامريكي ترامب في الشرق الاوسط التي اربكت الجميع ولا أحد يتوقع مستقبل المنطقة. أمام كل هذا جيء بخالد مشعل في عز الازمة الى المغرب وخصص له رئيس الحكومة الاسلامي سعدالدين العثماني استقبالا رسميا كأن مشعل رئيس دولة او حكومة وليس كسياسي هارب مختبى في قطر. كأن العثماني يريد أن يرسل رسالة ما إلى الرئيس الامريكي ترامب بعد قراره بشأن القدس. 

على أي ، زعيم مشعل حركة حماس التي تعتبرها العديد من الدول حركة ارهابية استقبله أغلب زعماء الاحزاب السياسية المغربية يمينية ويسارية واسلامية وليبرالية وظهروا كأنهم يتصارعون من أجل الجلوس مع مشعل وأخذ صور تذكارية معه . كما ظهرت أيضا أشكال مبالغ فيها في الاستقبال. لكن أخطر ما صرح به خالد مشعل هو قوله أن المغرب بلد عربي منذ القدم . 

هذا تصريح عنصري لا ينم إلا عن جهل وعن عقلية تتعشعش فيها العنصرية والظلامية . كان على زعيم حماس أن يترك تلك العقلية في الشرق ويعرف أنه في بلد افريقي امازيغي متعدد ومتسامح . 

تزامن قرار بوتفليقة بجعل السنة الامازيغية مع زيارة مشعل حماس الى المغرب. 

فهل هي رسالة النظام الجزائري الى أمريكا وحلفائها في الغرب ؟ 

هل هي ضربة استباقية تمهد لخطة الرئيس الامريكي في شمال افريقيا ؟ 

هل أخطأ المغرب في تجاهل حقوق الامازيغ وقمع حراك الريف واعتقال رموزه في الوقت الذي يستقبل فيه زعيم حركة حماس الفلسطينية.