اشكالية بعض الفقه الاداري في فك لغز ثنائية الادارة و حقوق الانسان

رشيد باحموش:

وجهة نظر حول إسهام جانب من الفقه الإداري في حل إشكالية العلاقة المزعومة ما بين الإدارة و حقوق الإنسان و الديمقراطية

 قد يتبادر إلى دهن القارئ البسيط أو المتهور على حد سواء, إن فتح نقاش فكري حول هدا الموضوع هو من قبيل الترف أو مجرد امتياز كلامي صرف يهم فقط ما يصطلح عليهم فقهاء القانون الإداري فواقع الأمر غير دلك فحساسية الموضوع اكبر بكثير من هؤلاء و يهم أي إنسان يريد أن يفتح قلبه و عقله لفهم ما يحيط به .لان هاته المعرفة هي مال عام امتلكها كما يمتلكها الآخرين ليست كالمال العادي عندما نستأثر به يكون تملكنا له ضدا على غيرنا .لدلك نتفضل على الرأي العام المحلي او الوطني بقبول هدا الرأسمال اللامادي الرمزي إسهاما منا و رغبة منا التنوير العام سيما و أننا نعيش في هده المرحلة سلسلة من الأحداث الغير المتولدة عن الصدفة شبيهة بالمصالح الفردية التي تسير كل الاتجاهات .فالتحكم في هدا الكل و ليس الجزء هو الرهان للوعي بالنهاية التي يقودها التاريخ من بابه الواسع و لم يدخلوه بعلم النفس بل بإحساسهم المسبق بما ستؤول إليه الأمور في حقبة معينة .

سيطول بنا المقام ادا أردنا ان نعطي معنى لتاريخنا سأقتصر في هدا المقال على وجهة نظري حول هاته العلاقة الغامضة ما بين الإدارة و حقوق الإنسان و الديمقراطية و دلك بتبيان أوجه القصور القائمة في معرفة هدا الجانب من الفقه الإداري و عجزه عن طرح بدائل فكرية قبل العمل لآني مقتنع بان منهجية المعرفة الدياليكتيكية هي السبيل لمعالجة الاختلالات فهي بمثابة الدليل العملي في الفكر قبل العمل فالسؤال المطروح دائما هو أين الخلل قبل ما العمل ? و لهدا الغرض سنقوم بإتباع الشك المنهجي في طرح تساؤلات مشروعة .

نتساءل ادا كان الإيمان بقوة العلاقة ما بين الإدارة و حقوق الإنسان و الديمقراطية كاف للتصديق بها ام ان الشك في يقينية هاته الصيغة الجاهزة ممكن ادا نظرنا الى الواقع العملي الذي تطبق فيه ?

أكيد موقع الإدارة يؤهلها لان تلعب دور تكريس الديمقراطية و إظهار مدى احترام حقوق الإنسان لكن أخد دلك بعين الاعتبار من طرفها في المقام الأول صعب المنال لان الإدارة هي الإدارة فحسب و دورها هو تطبيق السياسة الحكومية و تنفيذ القوانين و خدمة المصلحة العامة .أحيانا تلجاء إلى القوة العمومية لتحقيق هدا الغرض أنداك المواطن لا يملك إلا الاستسلام لها لأنها مسخرة لخدمة الدولة و خدمة المواطنين لكن ما تزال هناك بعض العقليات المخزنية التي تحاول تبرير اللجوء إلى القوة المفرطة بسحق الحقوق و الحريات العامة .ادا كان هدا حال بعض الشرائح من المواطنين فما موقع القضاة الإداريين ? هنا الوضعية مخالفة فالقاضي الإداري بالرغم من قربه للإدارة يتوجب عليه أحكام ضميره حين إصدار الأحكام ضد الإدارة و أن يتبع منطق عدم خلط عمل هاته الإدارة مع هدف المصلحة العامة التي ترمي إليه و إلا ما جدوى القضاء في دولة الحق و القانون ?

و عودا على بدء فعلاوة على دلك تنضاف إلى الإدارة اكراهات اقتصادية يصعب معها التوفيق مع مقولات من قبيل حقوق الإنسان و الديمقراطية فأحيانا تفاجأ الإدارة برغبات شرائح واسعة من المواطنين دوي الوضعيات الصعبة فيثار السؤال حول الإمكانات المتاحة لهؤلاء لتحقيق مطالبهم و ما هي أوجه العلاقة الممكنة بينهم و الإدارة ? و ما هي شكل الضغوطات المتاحة لهم لعمل ? و هل للمواطنين الضحايا حق محاسبة القرارات الصادرة عن الإدارة ين انتهاكها للحقوق و حين تقر بمبدأ خلص و شكي او حين يستحيل تطبيق القاعدة الفقهية و ان كان دو دا معسرة فنظرة الى ميسرة و هل للقضاء الإداري نفسه الحرية في قبول الدعاوي منهم او على الاقل هل لو ضمانة الاستقلالية ?

يجب الاعتراف انه الى حد الساعة هناك شبه قطيعة ما بين الإدارة و حقوق مختلف الشرائح المذكورة حين يتعلق الأمر بالحقوق الأساسية للشخص الإنساني اعني حقوق إنسان مستقلة و غير مشتقة عن مدونة الأسرة على الرغم من وجود وسائط متمثلة في جمعيات المجتمع المدني الجماعات المحلية و تجمعات ذات الشأن الاقتصادي الخ و دلك راجع الى كون الأشخاص الدين تتعامل معهم الإدارة يفتقدون الى المساواة في الحقوق الأساسية الشيء الدي يجعل من الصعب تصور ان لها دور إنساني و ديمقراطي .بالنسبة لعلاقة الإدارة بالقضاء الإداري فانتم تعلمون ان الضغوطات التي يتعرض لها هدا الأخير نابعة من صميم الإدارة و الضغوطات التي يتعرض لها هدا الأخير نابعة من صميم الإدارة و النقاش كله يجب ان ينصب لمعالجة هدا الخلل حول استقلالية القضاء و تأهيل الإدارة و ليس العكس .لكن للأسف الشديد عوض ان يتمتع جانب من الفقه الإداري بثقافة احترام هاته الاستقلالية و عدم تبعية القاضي الإداري للموظف السامي Haut fonctionnaire يزيد من تعميق المشكلة و يفكر بشكلية العلاقة و هرمية مراقبة المتفشية العامة فهدا التفكير غير مجدي للاعتراف لقضاة المحاكم الإدارية بعدم القابلية للنقل و عدم الانحياز لان هاته الضمانة الدستورية ممنوحة فقط للقضاة العاديين .الا يشكل هدا الفراغ القانوني مساسا لمبادئ الديمقراطية و حقوق المتقاضين في ملفات حساسة تهمهم ?

فادا كان الفقه الإداري لا يندد بهدا الفراغ أسوة بنظيره الفرنسي فأين دوره في طرح صيغ بديلة لإعادة توازن السلط ? ان سكوته عن الصيغ القانونية يعطي الانطباع على انه يبقي على الأولوية للإدارة على حساب القضاء الإداري و نتساءل هل عدم الشجاعة هاته السمة الغالبة لأغلب الفقه الإداري راجعة الى كون الغالبية منه ترعرع بين أحضان الإدارة حتى عرفوا مهمازتها و من تم لا يستطيعون انتقادها او على الأقل قول الحقيقة بما يمليه عليهم ضميرهم الاخلاقي الخالي من النفعية الشخصية على حساب المنفعة العامة .

أثرنا هدا التحليل الفوقي en amont بصفة أولية و اشرنا فيه الى العلاقة ما بين الإدارة و باقي السلط لأننا لن نستسلم الى الدراسة التي تعزل الإدارة عن التفكير في حقوق الإنسان و الديمقراطية على الرغم من أنها أحيانا تميل إلى هدا الربط .أين المنهجية التداخلية ?? و سنعرج على التحليل من تحت en aval لنبين ان ما يزيد الطين بلة و فسادا هو الهروب اللاواعي لبعض الفقه الإداري نحو السبل الكفيلة لحل هاته العلاقة في ميل منهم نحو تضخيم الصعود المتنامي لجمعيات المجتمع المدني و المطالبة بإشراكها في النصوص التطبيقية و التنظيمية الخاصة بالشأن المحلي و الجهوي .و نحن نرى ان هدا النوع من الخطاب السائد غير مقنع لسببين : أولا مساءلة الدور السياسي لجمعيات المجتمع المدني في المغرب برمته أصبح يثير ردود فعل متباينة بين الإداريين و السياسيين و يقود الى تعدد المخاطبين و تعقد في التسيير بالإضافة إلى ان هاته الجمعيات تفتقر الى الفعالية و فعاليتها اضعف بكثير من فعالية و نجاعة و مهنية الموظفين العموميين و لهاته الأسباب أصبحت المنظمات المانحة للمال تفكر في مركزية التمويل و توجيهه صوب الدولة و لم تعد تفكر في شرط دمقرطة الأنظمة كما ان اغلب الفقه الغربي المتحمس مند بداية التسعينات للدور الضاغط لهاته الجمعيات رغم ما يميزها عن نظيرتها المغربية لم يعد يدرجها في خانة موازنة النظام السياسي régulation du système politique .فادا كان هدا المعطى بديهيا عند الدول الغربية و المنظمات المانحة للمال فكيف يستقيم الحديث بعد عن المطالبة بإشراكها ? لمادا مخاطبة ود الجمعيات و نحن نعرف ان الدور الحالي متمركز على التنمية المستدامة و الحكامة الجيدة ?

ثانيا و بعد افتضاح مجموعة ممن أسندت لهم مسؤوليات إدارية في هرمية الدولة طفى على السطح الدليل الواضح على عدم يقينية العلاقة المزعومة ما بين الإدارة و حقوق الإنسان و الديمقراطية و ليس القصد من هدا التصريح التقليل من الميكانيزمات الإدارية و تبخيس العمل الدي يقوم به الموظفون النزهاء بل الهدف هو بتبيان على شاكلة الوسائط المذكورة نسبية تقل الادارة في بلوغ احترام حقوق الإنسان و اراء الديمقراطية حتى يتمكن الجميع من اسماع صوته و مطالبه تجاه الإدارة .و هنا اتضح في اخر المطاف ان لهاته الأخيرة و لا تلك شكلتا ضمانة أساسية ضد انتهاك الحقوق و الديمقراطية .

ان الحقيقة التي لا غبار عليها تبدأ بتقديس حقوق الإنسان على غرار المقدسات الأخرى فاحترامها يبدأ من الاعتراف لكل شخص إنساني بحقوقه الأساسية les droits de la personne و تمكينه من ممارستها بصفة فعلية امام القضاء الدي لا يجب ان يمتنع عن النظر في اي قضية عرضت عليه و كدا ان يرفض البث فيها بالإضافة الى تمكينه من ممارسة حقوقه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية .

فادا اخطانا في التقدير و أسلمنا بوجود علاقة متينة ما بين الادارة و حقوق الانسان و الديمقراطية على نهج الفقه الإداري المعني بالأمر فهدا فيه توسع لأفق المخطط الاداري التقليدي الحالي للإدارة و هو اغناء لها لانها لن تتعامل فقط مع عينات من المجتمع المدني او مع جماعات محلية او فاعلين معينين بل ستلبي حاجيات الشرائح المختلفة المتضررة من الحقوق دون استثناء و هنا سيتوسع دورها و يصير نبيلا و ساميا انسانيا و ديمقراطيا على الرغم من صعوبة المهمة في ارضاء الجميع كما يذهب الى دلك الميكيافليين الجدد ليس (التماسيح و العفاريت )لكن نرجو ان توفق فقط في توفير ابسط شروط العيش الكريم niveau de vie digne décent للمواطنين المسحوقين لتنال الرضى و المشروعية .

و ادا كانت هده النظرة في التفكير هي التي دفعت بعض اساتدة الفقه الاداري الى خلق مسالك البحث في الكليات بمثل هاته العناوين و التسميات اللامعة و الرنانة انداك ينبغي على ضمائرهم الاخلاقية ان تدفعهم الي القيام بهاته الامور مسبقا قبل اقدامهم الشخصي على هدا الانجاز :

*اولا عليهم اعتبار الادارة مجرد أداة او قناة لتمكين المواطنين من تلبية حاجياتهم بالموازاة مع تحقيق المصلحة العامة .

*ثانيا على هدا الفقه الاداري واجب اثارة انتباه الدولة من مغبة الانزلاق نحو الدولة القليلة التدخل في ظل العولمة القائمة لما لهدا المنع من الاستجابة في العمل العمومي interdiction de l’action publique من خطورة على حقوق الانسان و الديمقراطية .فلا يعقل ان تكون جهة سوس ماسة هي الجهة الثالثة من حيث مداخيل الميزانية للدولة و تصنف في المراتب الاولى من حيث معدل الفقر يتجاوز 30في المائة .لمادا لا ينصب الفقه الاداري على هاته الإشكالية اللصيقة بواقع الناس سيما ان الفقر اصبح معضلة بنيوية و ليس لظرفية و يكتفي بترديد شعارات من قبيل محاربة الفساد خلق المبادرات الاستباقية لجلالة الملك الرامية الر ربط المسؤولية بالمحاسبة (مللي تطيح البقرة كيكترو الجناوا )على حد تعبير المثل الشعبي .أين هو الدور التنويري المؤثر على السلطات العمومية بطرح بدائل للفقر مختلفة عن القروض الصغرى و عن المقاربة الاحسانية التي تعرض المواطنات و المواطنين للموت الحقيقي او الرمزي .

*ثالثا على الفقه الإداري ان يبين ان الديمقراطية المحلية لن تحقق الغاية المرجوة منها يعني الديمقراطية الإنسانية و الاجتماعية دون المرور بشروط دقيقة .

*رابعا على الفقه ان يجتهد في تحديد سقف او نسبة الاختصاصات الواجبة التوزيع ما بين ادارة الدولة المحلية و تلك التي تمتلكها السلطات المحلية المنتخبة فألان الإحصائيات تشير الى ان هاته الأخيرة لا تملك سوى 7 في المائة فقط مقارنة مع سلطات الوصاية المحلية و المركزية .

*خامسا على الفقه الاداري ان يعمل في شكل خلية جهوية تضم اساتدة باحثين inteligencia بما في الكلمة من معنى في علم الاجتماع القانوني القانون الدستوري علم السياسة إجمالا اساتدة لهم من الكفاءة العلمية و المصداقية تؤهلهم لاستحضار مرجعيتنا كدولة و مجتمع موحد يدين بالاسلام و يتمسك بهويته الامازيغية الغنية بأصالتها دون نسيان الحداثة بالمفهوم الفكري .فالهدف منهم ان يجتهدوا في امتلاك فلسفة قانونية دون إغفال الأبحاث الميدانية م دراسة الظواهر المجتمعية من قبيل الفقر البغاء او الفساد وما يترتب عنه من كثرة الإجهاض و كدا تشغيل الاطفال القاصرين الخ ...وربطها مع الادارة و الديمقراطية .

في الحقيقة المهمة شبه عسيرة لكن ادا انعدمت الغيرة على المنطقة في النفوس و لم يتشبع المنخرطين في دواخل وجدانهم بكل ما هو انساني و ديمقراطي انداك ستكون الندوات المنعقدة و البحوث المنجزة على المستوى الجهوي مجرد تمثيل و سفسطة بعيدة كل البعد عن الواقع رغم انها تشير اليه .

سادسا اود ان احيط الى علم فاتحي المسالك في وجه الطلبة الباحثين انه ان تم إغفال ما سبق ذكره سيكون ما فتحتموه مجرد اوراش تدر عليكم الأموال و ستفرح حاملي شهادات عليا معطلين لو افترضنا رغبة مراكز الدراسات و الأبحاث في الاستفادة منهم فشتان ما بين من يؤدي مهامه بالعملة الصعبة و من يعمل بثمن بخس.

باختصار لاحظنا عبر هدا العرض محدودية جانب من الفقه الإداري في التفكير في القضايا المصيرية التي تهم الدولة و المجتمع المغربي برمته و كدلك تلك التي تطال الجهة و ساكنتها و نتمنى على الرغم من دلك ان تكون النوايا المعلنة فائدة في ترسيخ ما يجب من قيم احترام الشخص الإنساني و الحياة في المجتمع المنظم .

و أرجو من القراء ان يسمحوا لي ان كنت أدبيا صعبا شيئا ما فالسياق و الحقيقة يقتضيان دلك .

و إلى فرصة لاحقة إن شاء الله


دائما إنساني و لا فخر