الأمازيغية والصحراء : فن الحضور


بقلم عبد الله بوشطارت

هكذا هي الامازيغية تجسد مسارا تاريخيا طويلا من المقاومة. الامازيغية هي حق. والحق يأتي ولا يضيع أبدا مهما كان الظلم قاسيا. الامازيغية حقيقة تظهر مهما طال حبل الكذب والبهتان. 

صرح وزير الخارجية والتعاون المغربي اليوم  على هامش قمة إفريقية أوربية في ساحل العاج، على أن "الصحراء ليست عربية". وهذا كلام فيه اعتراف صريح، جاء متأخرا جدا من قبل الدولة المغربية. إعتراف أولا بالمسار النضالي الترافعي للحركة الامازيغية التي إنخرطت منذ بدايتها في النقاش حول قضية الصحراء من خلال التركيز على البعد الثقافي والتاريخي للصحراء، باعتبارها جزء من وطن كبير هو شمال إفريقيا، يتنفس هويته وثقافته وحضارته ولغته...آلاف السنين. 

لكن الإشكال الحقيقي هو أنه لا أحد أراد- يريد أن يسمع للخطاب الامازيغي واستحضار هذا البعد القوي والشرعي في قضية الصحراء، فمنذ اندلاع الصراع بشأنها كانت الأحزاب اليسارية في البداية تقارب الملف من خلفية قومية عربية وهي لا تختلف عن منطق الدولة أو المخزن. وجاء ذلك في سياق مشحون بأوهام الناصرية والبعثية المشؤومة، زادتها اشتراكية القذافي احتراقا والتهابا. وكان على المغرب أن يتمسك بروح التاريخ وحقيقة الأشياء، ولكن ربما وجع الانقلابات العسكرية(التي قادها الضباط الامازيغ) جعلت المرحوم الحسن الثاني يساير بحذر حرارة قضية الصحراء وامتدادها السياسية الشرقية القومية والعروبية..(هذا نقاش آخر). 

وبالرغم من الكتابات والبيانات والنقاشات التي راكمتها الحركة الامازيغية في قضية الصحراء إلا أنها تبقى محصورة في مساحة ضيقة جدا بفعل الخطوط الحمراء التي رسمتها الدولة حول ملف الصحراء منذ البدايات الاولى للمشكل، إضافة للحصار الإعلامي  المطبق المفروض والمضروب على الخطاب الامازيغي عدة عقود، وبقي في الهامش يقاوم النسيان في صمود وسط غبار الأمل. ولكن هو خطاب قوي وملتزم ومتزن ومبني على أسس علمية كثيرة ومتعددة في شتى أصناف العلوم، في التاريخ والاركيولوجيا والطوبونيميا والانثرولوجيا وحتى في علم النباتات والمستحثات ....إلخ. 

مثلا حين تقول الحركة الامازيغية "الجمهورية الوهمية" فإنها لا تقصد به بالضرورة ما تعنيه الدولة المغربية التي تعطي للمفهوم تعبير سياسي؛ لان في أدبيات الحركة الامازيغية لا يمكن تصور كيان سياسي عربي على صحراء امازيغية. صحيح انه يمكن الحديث حول وطن مشترك متعدد ومفتوح، ولكن "جمهورية عربية" هكذا ؛على رمال وصحاري تحتوي على نقوش صخرية نقشت عليها حروف تيفناغ، فهذا هو الوهم بعينه. وللإشارة فالصحراء هي المنطقة الوحيدة التي تعج بالنقوش التي نقلت إلينا حروف تيفناغ...لولا الصحراء لضاع كل شيء.الدولة المغربية أدركت في وقت متأخر، حيوية الامازيغية والحلول الثقافية التي تزخر بها لتحصين سيادة المغرب وإنقاذ المغاربة من مشاكل ومعضلات كثيرة كالتطرف الديني وغيرها، وجعل المغاربة يشعرون بالافتخار والانتماء إلى وطن عظيم له تاريخ عريق وحضارة موغلة في القدم. 

وليست هذه هي المرة الأولى التي يستنجد بها المسؤولون المغاربة بالامازيغية في قضية الصحراء وقد سبق للمثل الرسمي للمغرب في الأمم المتحدة أن تحدث عن اضطهاد الجزائر لحقوق أمازيغ القبايل بالجزائر في مرافعة تاريخية له للدفاع عن حكومة المنفى للقبائل ومطالبتهم بالحكم الذاتي. وفي الحقيقة هذا الوجه المزدوج للدولة المغربية تجاه الامازيغية يعيق الحقوق ويعرقل المكتسبات الامازيغية داخل الدولة المغربية. ففي الخارج أمام الدول والأمم الأخرى في المحافل الدولية حيث الصراع مع "البوليساريو" تعطي الدولة وجها للامازيغية وفي الداخل تعطي لها وجه آخر مغاير. 

لكن جوهر القضية ليس في كل هذا، فأين يكمن إذن ؟ 

إنه يكمن في مسألة أساسية وهي الوسيلة والطريقة، فكيف استطاعت الحركة الامازيغية في المغرب أن تحقق كل هكذا انجازات؟ بداية بترسيم اللغة الامازيغية في الدستور، كمطلب كان عسيرا وشاقا، وادخال الامازيغية إلى المدرسة ولو بالشكل البئيس الذي توجد عليه حاليا إضافة إلى ما تحقق من معهد وقناة تلفزية ثم إلى فرض وجودها داخل النقاش السياسي العمومي. مع أن السياق السياسي وعقيدة الدولة المغربية  وايديولوجية الأحزاب وتعنت النخب وتطور المجتمع وتحولاته كلها عوامل لا تساعد الامازيغية على فرض نفسها. وبالرغم من ذلك فرضت وجودها ونطق الوزير "ناصر بوريطة" في الساحل العاج بأن الصحراء ليست عربية، وبالتالي فهو يقول بصيغة أخرى إن صحراء المغرب هي صحراء امازيغية وهذا موقف للحركة الامازيغية التاريخي. ويشكل منعطفا وتحولا في طريقة تدبير المغرب لمسألة التفاوض والترافع بشان الصحراء. 

هذا ما يسميه الباحث "آصف بيات" ب"فن الحضور." أي كيف يمكن لإفراد أو مجموعات ليس بالضرورة منتمون أو مجتمعون في تنظيم سياسي،  أن يؤثروا على الدولة والأوساط التقليدية لتغيير موقف ما بدون اصطدام مباشر أو عنيف معها. بمعنى أن الممارسة اليومية للفعل الامازيغي في مختلف تجلياته من قبل أناس بسطاء أدى إلى تصحيح مواقف سياسية كانت في القبل بمثابة معتقدات اديولوجية راسخة، كما أن توليد القوة في المجتمع وإنتاج ثقافة بديلة عن ثقافة السلطة لا يتم بالضرورة من قبل الأوساط الرسمية وخطاباتها مهما كان لها من قوة ودعم ونفوذ.., وإنما يأتي من حركات اجتماعية كالحركة الامازيغية التي انبثقت من رحم الشعب ومن الأسفل.

 باختصار؛ الامازيغية في الحقيقة جعلت الدولة المغربية في مأزق.