منظومة التربية والتعليم ...إلى أين؟

فيصل بوعصى: 

 وأنا أتصفح هذه الأيام مواقع التواصل الاجتماعي إذ بي أجد أشرطة عديدة توثق عمليات تعنيف أطر تربوية داخل فصولهم الدراسية من طرف تلامذتهم. ومؤخرا انتشر شريط مسجل وصل صيته إلى قنوات إعلامية دولية، يظهر من خلال هذا الشريط تلميذ يضرب أستاذه ضربا مبرحا دونما رحمة ولا شفقة. فنهض الرأي العام المحلي والوطني، يندد بهذا الفعل الشنيع، بل طالبت جمعيات حقوقية بتشديدِ العقوبة على التلميذ حتى يكون عبرة لما بعده، ووضعِ قوانينَ صارمة وزجرية في حق كل من سولت له نفسه أن يفعل مثل ما فعل التلميذ القضية.

 لم تتنظر المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي بورزازات طويلا حتى علقت على الحادث، وأصدرت بيانا تندد فيه بالواقعة، ووعدت أنها لن تدخر جهدا في مواصلة البحث حول القضية، وأن العدالة ستنصف الأستاذ. بعد هذا انتشرت القضية في جل وسائل الإعلام السمعية والمرئية، فكثر النقاش حول تعنيف الأطر التربوية من طرف تلامذتهم.

 ليس هذا وحسب، فالنقابات التعلمية الأكثر تمثيلية أيضا، قامت بالتنديد بهذا العمل الاجرامي، والذي يتنافى مع مقتضيات الفعل التربوي، وطالبت بوضع حد لهذه التجاوزات المهِينة لكرامة الأستاذ. فنادت بأعلى صوتها "ما تقيس أستاذي " كما طالبت الأطر التربوية، القيام بمجموعة من الاحتجاجات والإضرابات ردا على تعنيف الأستاذ. 

أما مواقع التواصل الاجتماعي فقد مُلئت بهذا الخبر كأن كارثة وقعت، والحال أن هذا السلوك موجود في مؤسساتنا منذ عقود خلت، لا أحد تكلم عنه، ولا جمعيات حقوقية وقفت ضده، فما الجديد هذه المرة؟ ألم تمت كرامة الأستاذ منذ زمن بعيد؟ أليس هناك صراع مستمر بين الأستاذ وتلميذه قبل هذا؟ ثم من هو المسؤول عن هذا كله؟ هل هي المؤسسة أم الأطر التربوية أم الأسر أم المجتمع أم هو الاعلام أم هي الوزارة في تدابيرها أم هو التلميذ أم المنظومة بأجمعها؟

 إن الخلل -في اعتقادي-ليس في الأستاذ الذي عنَّف تلميذه ولا في التلميذ الذي عنَّف أستاذه، ولا في الإدارة التي لم تقمْ بواجبها ولا في المؤسسة العمومية التي انهارت قواها ولا حتى في منظومة التعليم بكاملها، بل إن الخلل في منظومة الأخلاق ومنظومة الاقتصاد ومنظومة السياسة ومنظومة التربية ومنظومة الصحة ثم منظومة التعليم، كلها مرتبطة بعضها ببعض. وخاطئ من ظن أن الخلل في منظومة التربية والتعليم لوحدها، لذلك مهما فعلنا لإصلاح منظومة التربية التعليم منعزلة عن باقي المنظومات الأخرى لن نصل إلى حل ناجع حتى لو استوردنا أعظم المناهج والبرامج العالمية.

 ولعل التلميذ القضية والذي بسببه تحركت كل قوى المجتمع للرد عليه والتنديد بالفعل الذي قام به، ليس سوى جزء لا يتجزأ من المشكل. فمثلا لو بحثنا حق البحث، عن أسباب تصرف هذا التلميذ لوجدناه فاقدا لمفهوم التربية الأسرية الصحيحة، سواء من طرف الاب أو الأم، ولو وجدناه أيضا يعيش حالة نفسية صعبة ثم لوجدناه يشاهد أتفه البرامج وأسوأ الأفلام.

 ثم إن هذا التلميذ لا يعيش في أسرة منعزلة عن العالم، إنما يشارك الإعلام في تربيته، وهنا يظهر دور الإعلام في المساهمة النافعة في تربية هذا التلميذ الذي ننعته بالمجرم، وهذا يتطلب تدخلا حقيقيا من طرف المسؤولين، في مراقبة الإعلام ليكون خدمة لصالح هذا التلميذ لا ضده، بمعنى أنهم مسؤولون عن كل ما يبث في وسائل الإعلام السمعية والبصرية. لأن الإعلام نافذة من نوافذ المجتمع ومجالا لتعلم ممارسات وقيم متعددة. فننظر إذن في إعلامنا لأنه يتدخل بشكل أو بآخر في تربية أبنائنا.

 كما تلعب المدرسة دورا كبير في تربية هذا التلميذ أيضا، فالمدرس الذي ينتظر تلميذا حسنا في أخلاقه عظيما في أسلوبه فهو مدرس فاشل، لأن التلميذ يأتي للمؤسسة كي يتربى ويتعلم، بمعنى أن الأستاذ لابد له أن يضع في ذهنه أنه طبيب نفسي، وعالم اجتماع، ومحلل سياسي، فيلسوف حكيم إن اقتضى الأمر ومدرب تنمية بشرية، لأن القسم يجمع في ثناياه كل مكونات المجتمع، ويحضن كل أنواع البشر وسلوكياتهم، لذلك من العبث أن يتلقى أستاذا تكوينا معرفيا فقط دون الجوانب التي أشرنا إليها. 

إن من الاستثناء أن تجد تلميذا مهذبا ومربيا خلوقا. والأصل أن تجد تلميذا غير مربي ولا متعلم، فالأطر التربوية والإدارية هي التي وتتكفل بتكوينه وتربيته وتعليمه. والخطأ الذي يرتكبه جل الأساتذة أنهم لا يجتِهدون في البحث عن أساليب التربية والتعليم المتنوعة التي هي موجودة في بطون الكتب، ولأن أساتذتنا باختصار شديد لا يقرأون، وبالتالي لن يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه الأساليب وطرق التعليم والتربية المناسبين. ومن هذا المنطلق لن أحمل المسؤولية للتلميذ القضية، بل إن الأساتذة الأطر الإدارية تتحمل جزءا كبيرا من هذه المسؤولية.

 والمجتمع أيضا مَوْطِنٌ للتربية والتكوين والتعليم، بمعنى أن التربية ليست على عاتق الأسرة أو المدرسة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع، فالمجتمع الذي كثر فيه الفقر على سبيل المثال، لا يستطيع أن ينجب لك تلميذا صالح كل الصلح، لأن المجتمعات التي يتفشى فيها الفقر لا تستطيع تربية الأفراد تربية سوية، وهنا أتحدث عن الفقر المدقع. 

لذلك تجد أن أغلب التلاميذ الذين يُعنِّفُون أساتذتهم ينحدرون من أسر فقيرة، فالتلميذ الذي يجد عناء في شراء قميص أو سروال، بالله عليك، كيف سيكون حاله وهو بين أصدقائه، والتلميذ التي لا يستطيع شراء كتاب أو دفتر، كيف سيكون حاله وسلوكه في الاسرة والقسم والمجتمع. والمجتمع الذي يفتقد لمؤسسات تحتضن الأفراد أو التلاميذ في وقت فراغهم يُسْهِم هو الآخر بشكل كبير في تشردهم، لأن الفراغ يقتل كما يقال، بل إنه يعلم أمور أخرى غير مفيدة. إذن ففضاءات المجتمع المتنوعة سواء التربوية منها أو الرياضية أو الثقافية، لها دور هام في تربية وتكوين التلميذ ليكون منخرطا في المجتمع بإيجابية.

وهذا يدل على أن التلميذ الذي نتسرع في تجريمه له علاقة وطيدة بالمجتمع، وإذا أردنا أن نحاسب من هذا المنطلق لابد أن نحاسب أولا المجتمع بكل أطياف وتلويناته وجمعياته وأفراده. كما على الدولة أن تسعى إلى تخفيض نسبة الفقر والبطالة والرفع من أجور الموظفين وتوفير فضاءات من أجل التثقيف وإبراز المواهب من تم الحديث عن إصلاح التربية والتعليم. 

ومن هنا نستطيع القول إن منظومة التربية والتعليم لها ارتباط وثيق بمنظومات أخرى يظنها كثير من الناس بعيدة عن التربية والتعليم، في حين هي أقرب بكثير. لذلك نطلب من الخبراء وأهل الاختصاص عندما يشرعوا في معالجة مسألة ما (العنف مثلا) أن يعالجوها من جهات متعددة حتى لا يكون الحل ناقصا أو بدون جدوى.

 وأخيرا،لا يمكن أن نحاسب التلميذ على أنه مجرم لأنه في آخر المطاف نتيجة لتربيتنا، سواء كنا أفرادا في مجتمع أم أساتذة أم آباء أم أطرا إدارية أم ممثلين عن الوزارة أم ممثلين عن الحكومة، فسوء تربيته من سوء تربيتنا له.