ضرورة بناء الإنسان أولا

الحسن بنضاوش: 

من المكلف جدا أن لا يواكب الإنسان ما وصلت إليه الدولة بسياساتها وطموحاتها الكبرى في ظل دائرة كونية دولية , ومن الغريب كذلك بشكل يبعثر الأوراق أن ترى شعبا في واد والدولة بمؤسساتها في واد أخر .

ولكن من المفيد أيضا أن ندرس الظاهرة , ونسجل الهفوات ومكامن الخلل ,ونعمل على إيجاد الحلول انطلاقا من مشكل قائم , مع استحضار أن الكل يجب أن يعيش ويستمر في بناء الوطن وحمايته في اطار واجبات وحقوق متوازية تسير في منحى تصاعدي و مع الانخراط الكلي ومن طرف الجميع وبصورة حضارية تستمد من القيم والخصوصية القوة في الإقناع وتحقيق الأهداف , بعيدا عن الاستنساخ والنقل القاتل من الآخر والجري وراءه باعتباره مثاليا .

والإنسان المغربي اليوم يجب أن يكون مشروعا للبناء , وموضوع للاستثمار الفكري والتنويري , لأنه مع احترامي للمكون المغربي , إنسانا هدفه في الحياة الماديات بالأساس , حلمه السكن والزوجة أو الزوج والسيارة وراتب قار أو رصيد بنكي على طول العمر , مادي إلى درجة يتخلى عن كل شي بما في دلك كرامته ومكانته وسمعته من أجل أن يحصل على أكبر رصيد أو مكانة اجتماعية براتب مادي أو مكسب مالي , يفقد البوصلة ويصبح مضغة في يد كل من يدفع الكثير خاصة إذا كان ضمن الطبقة الكادحة وفي مستوى فقر مميت .

إنسان لايستحي من نفسه عندما يرى الماديات سواءا المالية أو المعنوية , يفقد أعصابه ويثور , يصدر أصواتا ويرتكب جرائما باسم البحث عن المال لتحقيق أهداف دنيوية .

وعليه أصبح للمال في المجتمع المغربي مكانة عالية جدا , اخترق كل شي , وأضحى مفتاحا لكل باب في الوطن , تعرفه كل الفئات العمرية والجنسية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية والدينية .

ولا غرابة أن نجد الإنسان المغربي , يعرف الشخص أكثر من البرنامج الانتخابي لأنه يعرفه بقدر المبلغ المالي الذي حصل عليه , ويعرف خصمه من خلال قلة العرض المقدم في الحملة , ويعرف الجمعية الخيرية أكثر من الوزارة الوصية لأنها تقدم له قفة رمضانية أو في عيد الفطر والأضحى , ولا يعرف تلك الوزيرة المكلفة بالقطاع والتي ترخص لتلك الجمعية , يعرف مقر الجمعية ولا يعرف مقر الوزارة .

وليس ظلما أو ضربا في المواطنة أن نقول أننا شعب مادي شجع بالماديات , نجري وراء الماديات حتى اقتربنا من خط فقدان الإنسانية التي تمثل السمة الأساسية والمركزية للإنسان في الكون .

ولإيقاف هذا النزيف , ولربح الرهان التنموي وطنيا وإقليميا وقاريا , ومواصلة تحقيق الأهداف خاريجيا في إطار المعركة التنموية الدولية , يبقى بناء الإنسان أولا , بناءا متينا فكريا حتى يكون إنسانا وليس آلة تتحرك بالماديات بدون أخلاق , وعلميا حتى يكون منتجا ومساهما , وثقافيا حتى يعيش الإنسانية الكونية , وزمن القرن الواحد والعشرون .

ومن الواجب على الدولة موازنة البناء الإسمنتي للمؤسسات , والتشريع القانوني ببناء الإنسان , والاستثمار فيه خير استثمار حتى يكون في مستوى التحديات .

فمن المخجل أن ترسل الدولة في احتفال وطنيا بين الأقوياء معلوماتيا قمرا اصطناعيا , وفي سوق أسبوعي في المغرب العميق فاجعة مميتة بسبب مواد غذائية بسيطة تدخل ضمن المواد الأساسية والمادية للأسر المغربية .

ومن العيب والعار أن يبقى الإنسان المغربي وخاصة الفئة المهمشة , ينتظر كرامات المحسنين وأصحاب المال , ويحفظ أوقات مد اليد , والركوع باسم الفقر والحاجة .

وعلى الدولة أن تكون أكثر كونية وديمقراطية وتحقق الاستقرار لكل الأسر بضمان الشغل وتحقيق الكرامة للإنسان المغربي الحر في الأصل .