من يوقف مهزلة العنف المدرسي ؟

الحسين أوموماد :

لا يمكن أن نختلف في كون العلم والتعلم يعتبران من أعمدة وركائز كل أمة تسعى من أجل شق طريق الرقي والتقدم والازدهار ، فبدونه لن تتحقق لا النهضة ولا اليقظة ، بدون العلم والتكوين الجيد لن يتم إدراك واستيعاب معاني المواطنة ومعاني حب الوطن والتضحية من أجله والمساهمة في بنائه ، بدونه لن ينجح انخراطنا في عصر العولمة بالشكل المطلوب ، حيث أن التسلح بديبلومات وشواهد ونيل تكوين جيد ورصين في شعب ومواد التخصص المتنوعة ، بالإضافة إلى الانفتاح على علوم وفنون أخرى يعتبر السبيل الوحيد لتحقيق هذه الغايات والأهداف ....

لكن ما هو مصدر ومعين الوصول إلى هذا الهدف؟

بطبيعة الحال الجواب الأول سيكون هو المدرسة ، نعم المدرسة أو المؤسسة التعليمية ، فبدون المرور من هذه المحطة لن تتم محاربة الجهل والأمية فبالاحرى بناء وتكوين الأطر و العلماء والأدمغة المفكرة التي تقبل المناقشة وتحترم الرأي والرأي الأخر وتؤمن بالاختلاف والتنوع ... ،لكن ما يلاحظ هو أن مؤسساتنا التعليمية وعلى رأسها الأطر التربوية والتعليمية منذ سنوات وهي تتلقى الضربات بهدف النيل من سمعتها وتقديم صورة مشوهة عنها وتبخيس أدوارها الكبرى داخل المجتمع ، فليفرح أولائك المهاجمين على التعليم العمومي بإنجازاتهم العظيمة المتمثلة في تراجع مستوى تلاميذنا وارتفاع مستوى العنف المدرسي وكذلك تصنيفنا الدولي المتدني ...فهنيئا لهم !

إن ما وقع لأستاذ مدينة ورززات وتداولته وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الاعلام يعتبر عملا مقززا ويثير الاشمئزاز بكل ما تحمله الكلمة من معنى ويعبر عن انحطاط مجموعة من القيم داخل أوساط المجتمع المغربي والتي من بينها ذلك الاحترام والوقار الذي كان يحظى بهما نساء ورجال التعليم باعتبارهما صناع الأجيال ومخرجيهم من ظلمات الجهل والأفق الضيق إلى نور المعرفة والأفاق الواسع ، كذلك ما حدث لهذا الأستاذ بغض النظر عن أسبابه ومسبباته يعبر عن عدم جدوى وفعالية الترسانة القانونية والاجراءات التي تنظم شؤون الحياة المدرسية مما يستلزم تحيينها وتجديدها حتى تساير مستجدات الألفية الثالثة ، فما تعرض له هذا الاطار التربوي أثناء ممارسته لمهامه داخل الفصل يعتبر مسا بكرامة الأسرة التعليمية بأكملها وإهانة لكل فرد من أفرادها ، فبذل استخدام العنف في حل المشاكل سواء من طرف الأساتذة أو من طرف التلاميذ فإن الأجدى هنا هو استحضار القانون الداخلي للمؤسسة و استحضار مضامين المذكرات الوزارية وإشراك جمعية أمهات وأباء وأولياء التلاميذ وكذلك عقد مجالس المؤسسة ومنحها كل الصلاحيات في اتخاد القرارات المناسبة لكل حالة ولكل وضعية ،فالقانون فوق الجميع .

إن تعدد حالات العنف المدرسي خلال السنوات الأخيرة سواء بين التلاميذ ومدرسيهم أو بينهم وبين الأطر الإدارية وكذلك العنف المتبادل بين أولياء أمور التلاميذ والمدرسين ، أدى إلى تسجيل حالات وفيات وحالات انتحار هذا بالإضافة إلى الضرب والجرح والكدمات... وكأننا في فضاءات للرياضات العنيفة لأمر يدق ناقوس الخطر ويحتاج تدخلات جد مستعجلة حتى لا تستفحل الظاهرة وتصبح أمرا عاديا وتخرج عن السيطرة ونحن نعلم ما لهذه الظواهر من انعكاسات جد سلبية على السير العادي للدراسة وإنجاز المقررات و كذلك توفير شروط السلامة لجميع رواد فضاءات المؤسسات التربوية ، هذا وتجب الاشارة إلى أن المؤسسات التعليمية لا يمكن وضعها في نفس الكفة من حيث درجة العنف ، وبالتالي فالتدخلات ينبغي أن تأخد بعين الاعتبار هذا المعطى وينبغي إعطاء صلاحيات واسعة لمجالس الانضباط داخل المؤسسات التربوية لأتخاد القرارات التي تراها مناسبة أمام الحالات المعروضة عليها قصد فرض الانضباط والذي من دونه لن يتطور تعليمنا العمومي .

كذلك فأن المذكرات الوزارية الصادرة كحلول للعنف تقدم مجموعة من التدابير والاجراءات التربوية والادارية والأمنية والقانونية ،لكن الإشكال الكبير هو في تفعيلها أو تفعيل بعضها على الأقل ،فتربويا كيف يمكن التنسيق مع جمعية الآباء وأولياء التلاميذ باعتبار دورها المحوري في المساهمة في خلق مناخ سليم للتعلم وهناك عدد كثير من المؤسسات تمر فيها الاجتماعات من دون الحضور التمثيلي لهاته الجمعية ولا من ينوب عنها ! بل لا أحد يعرف حتى من هو رئيس هذه الجمعية .

كذلك فإن تشجيع الأنشطة التربوية والترفيهية داخل فضاءات المؤسسات من خلال خلق أندية وإجراء منافسات رياضية أمر ينقصه التحفيز ( جوائز رمزية ،شواهد تقديرية ، الاستفادة من رحلات وأسفار، المشاركة في برنامج تلفزيوني .....)، بل إن كثيرا من المؤسسات لا تتوفر على قاعة للأنشطة ! وإن وجدت فهي مستغلة وتعتبر قاعة للدرس وغير شاغرة ، مما يطرح إشكالية غياب فضاءات للاجتماعات بمؤسساتنا والتي من دونها نحكم مسبقا عن فشل هاته الأنشطة التربوية وفشل مهام لجنة الانصات والمتابعة ......،مع الاشارة إلى أن إنجاح التدابير التربوية سيغنينا عن اللجوء إلى التدابير الادارية والأمنية ...

فالصورة السلبية التي بالأكيد علقت بادهن الجميع لحظة مشاهدته للعنف الرمزي الذي تعرض له أستاذ ورززات تعتبر جرحا غائرا لن يندمل بسرعة وسيحتاج وقتا طويلا لكي يتعافى ،كما أن لحظة سقوطه أرضا وسحله هي رمزيا لحظة سقوطنا جميعا وبالتالي انهيار ما يسمى بالأخلاق والقيم وعودة قانون الغابة وتفشي لغة العنف ...فمن سيوقف مهزلة العنف المدرسي ؟