مهاجر سوداني يستعرض رحلته الصعبة مع الهجرة في رسومات معبرة

بيوكرى نيوز :

نادرا ما يعبر المهاجرون عن رحلاتهم القاسية مع الهجرة بطرق فنية، فيما كانت الطريقة الأنسب للمهاجر السوداني حافظ آدم، عبر فيها عما لاقاه من معاناة في بلاده وعلى طريق الهجرة قبل أن يصل إلى فرنسا. وجاء ذلك من خلال رسومات نشرت في كتاب، كتب بثلاث لغات: العربية، الفرنسية والإنجليزية.

هي رسومات تعطي الانطباع في أول وهلة بأنها خاصة بالأطفال، لكن التأمل فيها يحيلنا إلى قصة إنسانية صعبة لمهاجر سوداني، حاول على طريقته عرض رحلته الشاقة على القراء. وجاء ذلك في كتاب يحمل عنوان "رحلة حافظ آدم السوداني".

لكل رسم في الكتاب قصته الخاصة. تحدث ألوانه وخطوطه القارئ عن تجربة مريرة مع الهجرة، تعدى عمرها العامين. "من خلال هذه الرسومات أردت تبليغ رسالة للعالم عن معاناة السودانيين داخل البلاد وفي المنفى"، يقول حافظ في حديث لمهاجر نيوز.


قطن حافظ في الوقت الحالي في مركز لإيواء المهاجرين، ولا يخفي سعادته من كون الدولة الفرنسية أوجدت له مكانا دافئا بعيدا عن قر البرد في الشارع، كما أنه تجاوز إحدى الصعوبات الإدارية الكبرى في تسوية وضعيته، لأن السلطات قبلت طلب لجوئه بعد أن رفضته في البداية بسبب تقديمه لبصماته في إيطاليا وفق ما تنص عليه اتفاقية دبلن.

"رسومات بدون أوراق"

بعد عامين صعبين في ما يعرف لدى المهاجرين بالجحيم الليبي، وصل حافظ إلى باريس في مارس 2017 مرورا عبر إيطاليا. ولم يجد في انتظاره إلا الشارع، حيث التقى على أرصفته الناشطة الفرنسية أودري كلوزيل، العضو في جمعية "رسومات بدون أوراق"، التي توزع الأقلام الملونة والأوراق على المهاجرين في بورت دو لاشابيل في باريس. وتنتهج الجمعية هذا الأسلوب لمساعدة هذه الفئة على التعبير عما يدور بدواخلها.


لم يتردد حافظ في الإقبال على الفكرة عندما عرضت عليه الجمعية أوراقا وأقلاما، وانخرط في رسم أبرز المحطات في رحلته مع الهجرة، وكانت باكورة ذلك مجموعة من الرسومات عبر فيها بالكثير من النجاح عما لاقاه من معاناة على طول طريق الرحلة، خاصة وأنه لا يتحدث اللغة الفرنسية، ويجد صعوبة بالغة في نقل خواطره للمتحدثين بلغة موليير. "أحب كل هذه الرسومات"، يؤكد حافظ.

"لقد ساعدتني الرسومات في التواصل مع الآخرين والتحدث معهم بخصوص رحلتي" مع الهجرة، يلفت حافظ، خاصة وأني "في كل مرة كنت أريد التواصل فيها بالفرنسية، كان يلزمني مترجما"، بل أن هذا الأمر ساعده على "تبليغ رسالته إلى العالم"، مفادها "التعريف بمعاناة السودانيين داخل البلاد وفي المنفى".

رسومات بآلام متعددة

استعرضت رسومات حافظ أهم العناصر التي خلفت لديه أثرا خاصا، والتي ستظل ضمن مكونات تاريخي الشخصي. رسم الأوجه المتعددة للحرب من طائرات وأسلحة وميليشيات، والأشياء البسيطة في الحياة اليومية إضافة إلى الأهل والعائلة، ثم مظاهر الحياة في أوروبا كالقطار السريع بل والانتخابات في بلد ديمقراطي يمنح للشعب اختيار من يولي أمره.

وإن كانت الألوان تتعدد في رسوماته، إلا أن اللون الوردي له قيمته الخاصة لديه. فهو يعني له "الحب والأمل"، يشرح حافظ حبه لهذا اللون. ويعود بالذاكرة إلى الوراء عندما كان يقيم في بلاده السودان قبل حوالي ثلاث سنوات، حيث كان يرعى في منزل أسرته مساحة صغيرة من الورود غالبيتها باللون الوردي.

حب الرسم وأمل صقل الموهبة

يبدو حافظ فخورا بتجربته الفنية والأدبية في نشر كتابه الذي نشر بثلاث لغات، الفرنسية والإنكليزية والعربية. وإن كان لم يجن منه أرباحا كبيرة، إلا أنه لا يخفي أنه عاد عليه ببعض من الفوائد المالية، إلا أنها لا تشكل مورد رزقه اليومي. فهو حتى اليوم يعيش بفضل المساعدات التي تقدمها الحكومة الفرنسية لمن يوجدون في مثل وضعيته من طالبي اللجوء واللاجئين.

"أتمنى أن أدمج في مدرسة لفنون الرسم لصقل موهبتي وتطويرها"، يقول حافظ بنبرة من الأمل لعل أن يكون الرسم يوما مصدر رزقه اليومي، فيما ينظر إليه بقية المهاجرين من أصدقائه ومعارفه النموذج الصعب الذي لا يمكن السير على خطاه. "الرسم صعب بالنسبة لهؤلاء الذين أعجبوا بالكتاب" يشير حافظ.

مع توالي سنوات الغربة يتضاعف شوقه أكثر فأكثر لبلاده. "نعم مشتاق للسودان، لكن لا يمكن لي العودة له يوما"، يقول بالكثير من الأسى البادي على صوته. حافظ اتهم في جريمة قتل برفقة شقيق له الذي نفذ فيه الإعدام، وأكد في كتابه أنهما بريئان، ولم يكونا يملكان لا المال ولا الجاه للدفاع عن نفسيهما أثناء المحاكمة. فاختار الهروب من السجن والتوجه إلى ليبيا ومنها عبور البحر عبر قوارب الموت باتجاه إيطاليا قبل أن يحل بفرنسا.