من أجل فهم أعمق للتاريخ

عبداللطيف أزرموح: 

وأنا أتجول في العالم الافتراضي كعادتي، صادفت أحد المقالات التي دأبت جريدة بيوكرى نيوز على نشرها كمقالات رأي لبعض مدونيها ومتابعيها، ولفت انتباهي عنوانه "قراءة التاريخ فرصة لفهم المستقبل"، فلم أتردد في الدخول للرابط من أجل تصفحه وقراءة مضامينه، لأني متيقن فعلا أن بناء المستقبل يتوقف على القراءة الفاحصة للماضي.

ذهبت مع توجه الكاتب في جل ما قاله، في كون فهم التاريخ آلية ضرورية لبناء المستقبل، شريطة أن تكون القراءة التي نسقطها على التاريخ، قراءة موضوعية نقدية فاحصة، وذلك بهدف تجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقع فيها السلف من أجدادنا.

لكن صاحب المقال نفسه وقع في أخطاء قاتلة كان من الممكن تفاديها، وربما هي أخطاء نصح هو نفسه في مقاله بضرورة تجنبها، وقد يكون الأمر راجع للفهم الخاطئ لبعض المصطلحات أو لبعض الأحداث التاريخية السالفة.

والخطأ الأول الذي انزلق اليه صاحب المقال بصفته مواطن مغربي من أبناء هذا الوطن، وأثناء حديثه عن التاريخ، قام بوضع جدار فاصل يقزم تاريخه ويحده في 14 قرن، أي منذ ظهور الإسلام إلى اليوم، وفي المقابل قام بإقصاء كل ما يسبق هذه الفترة من تاريخ المغرب على الخصوص، من حضارة وثقافة وهوية تمتد إلى قرون ما قبل الميلاد، ومن أمجاد تم تهميشها في التاريخ الرسمي للدولة، وهو ما يعبر عن معاناة كاتب المقال على غرار أغلب المغاربة من استلاب فكري وتاريخي وهوياتي ممنهج، وهو أمر بديهي تقتضيه طبيعة السلطة القائمة، فكما هو معلوم ان التاريخ المكتوب لا يعبر دائما عن الحقيقة، بقدر ما يعبر عن اديولوجية الأنظمة القائمة التي تملك كامل السلطة والصلاحية في ترسيم التاريخ الذي يتماشى مع قناعاتها وان كانت وهمية او كاذبة.

وقد يكون الأمر كذلك ناتج عن الفهم الخاطئ لصاحب المقال للدين بالدرجة الأولى وللتاريخ بالدرجة الثانية، فهم خاطئ للتاريخ، لان التاريخ عبارة عن عجلة متحركة بشكل مستمر دون توقف لا بداية ولا نهاية لها، وكل تاريخ لا يمكن دراسته ولا فهمه عن منأى عما سبقه من أحداث، لان كل تاريخ مرتبط بسياقات تسبقه، والإسلام نفسه لم يأتي من فراغ ليكون مرحلة فاصلة وقاطعة عن ما سبقه، بل ان الإسلام لم يأتي بجديد يذكر، وكل أحكامه ما هي الا أحكام دأب الناس للاحتكام اليها قبل ظهوره، فقط هو قام باستقرائها وتزكية أفضلها، ليترك للناس مهمة إكمال الطريق، والفهم الخاطئ للإسلام هو فقط ما يجعل بعض ناقصي العقول يرددون عبارة ان الاسلام وضع قطيعة مع عصر يسمونه بعصر الجاهلية ليؤسس لعصر ما بعد الاسلام.

من المقولات الشائعة كذلك والتي استعملها كاتب المقال أن التاريخ يعيد نفسه، مقولة مغلوطة من الأساس لان التاريخ لم يكن يوما فاعلا ليعيد نفسه، بل هو مجرد مفعول به من طرف الفاعل الأصلي الذي هو الإنسان، وبالتالي فان الناس هم من يعيدون ارتكاب نفس أخطائهم، والانسان بطبعه البشري لا يعترف بكونه خطاء، فيحب دائما القاء اللوم على غيره، فلم يجد الا التاريخ كشماعة يلقي عليها اخفاقاته التي يكررها باستمرار.

ولو قرأ الناس التاريخ، قراءة الشخص المتأني الناقد الفاحص، بعيدا عن العاطفة المدغدغة، وبعيدا عن الانحياز لطرف دون الاخر، لاستطاعو فهمه وتجنب الوقوع في نفس الأخطاء، وهو ما لن يتأتى الا بتقصي الاخبار من مصادر متعددة ومتباينة الرؤى، ثم الاحتكام للعقل والمنطق. وبالتالي التمكن من فهم الكثير من التفاهات التي نمجدها اليوم والتي أضحت بفعل فاعل من المسلمات التي نرفض رفضا قاطعا مناقشتها.

وتبقى أكبر العبارات التي استفزتني في المقال المذكور، هي العبارة المستعملة من طرف صاحب المقال وهو بصدد الحديث عن فوائد قراءة التاريخ، فقال ان بقراءة التاريخ سوف نتمكن من مشاهدة "أجمل الحروب والفتوحات" مشيرا بذلك لفتوحات المسلمين.

تساءلت في نفسي هل هناك فعلا حروبا جميلة تستحق المشاهدة وأخرى تفتقد للجمال، وأطلقت العنان لمخيلتي لتصور هذه الحروب، حيث يتم خوضها باستعمال سيوف ورماح وخناجر من الخشب او المطاط كتلك التي كنا نستعملها في ألعابنا ونحن صغار، حيث تنتشي فرحة الانتصار دون ان تراق الدماء.

استغرب فعلا هل هناك مشاهد تستحق المشاهدة في الحروب، هل وصل الإنسان لدرجة يستمتع فيها بمشاهد الحرب المروعة، حيث الدماء تسيل بدون توقف، والأرواح تزهق تباعا، والأشلاء البشرية تتقاذفها أرجل الأحصنة وأقدام الجنود.

إن أكبر خطأ يقع فيه المسلمين اليوم، هو إيمانهم الراسخ أن أمجادهم يمكن استردادها بالسيف والحرب، متوهمين أن الخلافة التي تحدثت عنها كتب السلف يمكن قيامها عن طريق العنف والقتل والترهيب، وإخضاع بقية الأمم لسيطرتهم بالقوة، وهو الأمر الذي ولد لنا اليوم مجموعة من الجماعات الإرهابية في مختلف بقاع العالم، يذهب ضحيتها خيرة شبابنا، ويجرون معهم ضحايا أبرياء من شيوخ وأطفال ونساء، ذنبهم الوحيد أنهم مختلفين عنا. 

هذا التفكير أشبه بمن يفضل اليوم ونحن في سنة 2017 السفر لقضاء مناسك الحج على دابة او بعير، فقط للإقتداء بسنة السلف.

إن الثورة التي تمكن اليوم الأمم من صنع أمجادها وتخليدها لا هي ثورة عسكرية ولا ثورة تراثية، بل الثورة الفكرية والعلمية هي لوحدها القادرة على جعل امة من الأمم في مصاف الأمم التي تقود مستقبل البشرية، ولعل هذا ما تفطن له الغرب اليوم، فكرسوا كل جهودهم لخدمة العلم وتنمية الفكر في الوقت التي نقضيه نحن في الدعاء لهم فوق المنابر داخل المساجد ليل نهار. هم تعلموا الدرس وصححوا أخطائهم واستفادوا من تجارب سلفهم، وانتبهوالى ان العقل والعلم هما الآلية الكفيلة بالنهوض بأممهم والرقي بها في سبيل خدمة البشرية.

في المقابل نحن نتخبط في نفس الأخطاء التي وقع فيها أسلافنا، تهميش وتكفير العقول النيرة في مجتمعاتنا، إقصاء مفكرينا ورميهم بوابل من الشتائم والأوصاف النية لتنفير الناس منهم، في المقابل تبجيل الفقهاء وتقديسهم.

هي نفس الأخطاء التي ارتكبها السلف، وأبسط مثال والأمثلة كثيرة جدا هو المفكر "ابن رشد" الذي تم إحراق كتبه وتكفيره فقط لأنه اجتهد في فهم الدين فهما صحيحا، واليوم بعد أن تفطن العالم للأفكار التي تناولها أصبحنا ننسبه إلينا بعد أن نبذناه وأقصيناه.

هو إذن نفس الخطأ، وليس التاريخ هو من يعيد نفسه بل نحن من يكرر نفس الأخطاء، واعتقد انه حان الوقت للتشكيك في كل مسلماتنا، وإعمال عقولنا، انها معادلة بسيطة، الإنسان في خدمة العقل، والعقل في خدمة العلم، والعلم في خدمة الإنسان.