فكرة الاحتفال بين الحقيقة والوهم

فيصل بوعصى:

بدايةَ كلِّ عام، يحتفل العالم بأسره بسنة جديدة، الفقير والغني على حد سواء. لكن المحير لماذا يحتفل الفقير؟ وبماذا يحتفل أصلا؟ أيحتفل بسنة جديدة حافلة بمعاني الفقر والمعاناة، بعدما كانت حياته كلها مشقة وتعب؟

ثم ماذا حصد هذا الانسان الفقير حتى يحتفل مع أغنياء بلده،الذين نهبوا ماله، وأخذوا أرضه، وسرقوا آماله. وتحدثوا له عن عدلهم، فأعطوه ربع حقه، ثم تظاهروا في الأخير بأنهم قد منحوه حقه وأكثر.

أيعقل أن يفرح المسكين والفقير والمظلوم والمحروم والمعدوم بحلول سنة جديدة، فيحتفل مع أهل زمانه، وأغنياء بلدته الذين طغوا في أرض الله؟

إن من الواجب حقيقة، أن ينطلق الفرد البائس والشخص الفقير، والمرء المظلوم نحو البحث عن حلول جدية، ومسارات متاحة، وممرات جديدة، بدل الوقوف مع عامة الناس والبكاء فوق قبور فارغة لا حياة فيها. لابد من الانزياح عن فكرة المسارات المسدودة. والطريق المقفولة والمنهج الوحيد. حتى لا نشارك في مراسمٍ نحن بعيدون عنها كل البعد، غير آبيهين بما يحدث حولنا، بل يجب علينا -على الأقل- أن نرفض ذلك الاحتفال المضحك، حتى نشق طريقنا نحو العمل الجاد والمسؤول الذي يعبر عن ذواتنا ويترجم طموحاتنا ،بدل السقوط في فخ التقليد الاعمى.

إنه لمن الواجب علينا تجديد زوايا تفكيرنا ورؤيتنا للحياة والوجود، ونظرتنا للقضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية و الثقافية بالخصوص، كي لا نرى العالم دائما ناقصا ودون وجهة نظرة فاحصة ونقدية . او ننخدع فيه كما يصوره لنا الآخر. لكن ما دمنا لا نفرق بين من يحتفل معنا ومن يحتفل ضدنا، وبين من يحبك لنا المكائد ومن يسدي لنا معروفا، وبين من يسرق منا آمالنا ويمنحنا آلامه فإن الحياة والموت سواسية إذن.

متى ما بَقي تفكيرنا منحصرا على ثقافتنا القديمة السلبية منها،فاننتظر احتفالات أخريات على أنغام عظامنا، وتصفيرات أمعائنا. وهذا سؤال دائما يراودني: لماذا تسيطر علينا الأعراف والثقافات أكثر من سيطرة العقل والفكر؟ أليس الفكر هو المميز؟ أليس العقل هو المدبر؟ كيف لنا أن نخرج من دوائر التيه الى مواضع الأمان؟

وأقصد بالاحتفال هنا الاحتفال الذي يغطي حقيقة الأشياء والقضايا، يستر عيبها، ويكفر عليها التراب حتى لا تظهر واضحة جلية للعيان. كاليوم العالي للمرأة، الذي يحتفل العالم فيه بها ،فهي تعد جزء لا يتجزأ من المجتمع بل هي المجتمع بعينه ،وأيضا منافسة ومشاركة لأخيها الرجل في الحياة اليومية . 

فليس العيب في الاحتفال في حد ذاته، إنما القصد ،على أي أساس بني هذا الاحتفال؟، وبأي خلفية جاء وظهر للرأي العام الدولي والوطني ؟

إذا كان الاحتفال، تحصيل حاصل ،و نتيجة عمل دؤوب من أجل احترام المرأة وتقديرها، وتوفير كل من تحتاجه قصد الانخراط التام في المجتمع، وأيضا من أجل الاعتراف بالدور الكبير الذي تقوم به وستقوم به -ولن يقوم به غيرها-سواء داخل بيتها أو خارجه، فإني وبهذا المنطق أوافق على مبدأ الاحتفال، بل ألحُّ في تنويعه وتوسيعه ليعم جميع الفئات وكل الشرائح .

بيد أن الاحتفالات التي نعهدها ونسمع بها ونراها أيضا، تعد شكلا من أشكال التستر على الفضائح، وقلب الحقائق وتزويرها. لأن هناك مئات آلاف من النساء اللواتي يعشن عيشة قاسية لا حقوق لهن ولا مأوى يمتلكن، سوى نظرة المجتمع لهن، وتقصير الدولة تجاههن، ومع هذا وذاك لم أتحدث عن النساء اللواتي يسكن الجبال، والمتشردات في أزقة البيضاء.

أود أن أؤكد هنا، أن فكرة الاحتفال ليست فكرة خاطئة في حد ذاتها، لكن توظيفها قصد التستر وقلب الحقائق يجعلنا رافضين لمثل هذا الاحتفال. وما أكثر هذا النوع في مجتمعاتنا.