قراءة التاريخ ... فرصة لبناء المستقبل

فيصل بوعصى:

لا شك أن كل دولة تسعى إلى التقدم الفكري والمعرفي، والتطور الحضاري والثقافي، ينبغي عليها أن تقرأ تاريخها قراءة فاحصة وناقدة، لا قراءة استمتاع وذكر للأمجاد والانتصارات. فالتاريخ يُصنع، يَصنعه الانسان، بكل أفراحه وأحزانه وانتصاراته وانهزاماته، ونجاحاته وإخفاقاته .

إن أهمية قراءة التاريخ، لا تكمن في سرد مجريات التاريخ نفسه، أو البحث عن شخصيات بَصَمت هذا التاريخ وأماكن حضنت وقائع ومجريات هامة منه، إنما تكمن الأهمية في كون السُنَنُ الكبرى التي مر بها التاريخ سيمر بها المستقبل أيضا، اللهم بعض التغييرات التي لا تلغي القاعدة بل تؤكدها. فمن أدرك أهمية ماضيه، وقرأه قراءة جيدة بعيدة عن العواطف والأهواء والتخمينات والتأويلات غير المضبوطة فإنه سيحيا الحياة الصحيحة.

 إن هذا يدفعنا إلى إعادة ترتيب تصوراتنا حول قراءة التاريخ، لا كما يُقدمه لنا الآخر اليوم أو ما تقدمه مقررات دراسية أو ما تبثه مسلسلات تليفزيونية، إنما ما تقدمه كتب الفكر، وكتب التاريخ، وكتب سير الشخصيات، وكتب المعارك التاريخية، وكتب السياسة والاقتصاد ...وغيرها بطبيعة الحال لا نستطيع أن ننكر جميع المسلسلات القديمة التاريخية أو الكتب المدرسية المقررة أو حتى ما يقدمه لنا الآخر، لكن علينا -فقط- أن نكون واعين بهذا الإرث، ونعرف كيف نقرأه، حتى يتشكل لدينا وعي نقدي متزن، نستطيع من خلاله أن نميز بين الأخبار الصادقة والأخبار الباطلة، وهذه المعرفة مع هذا النقد لا يتحققان إلا من خلال قراءة الكتب التي نعتقد أن صادقة في قولها عن التاريخ. 

بعكس الذين يروجون لفكرة أنه ما من داعٍ للعودة إلى التاريخ، والنبش فيه، والبحث عن آثاره، ففي نظرهم قد مات وفات، بل يجب علينا أن ننساه ونبدأ صفحة بيضاء من أجل مستقبل ناجح، وهذه الصرخة قد دوت في كثير من المناسبات خصوصا أولئك الذين تأثروا بالتطور العلمي والمعرفي والاقتصادي والسياسي للغرب. هؤلاء يعتقدون أن هذا التطور والتقدم لا يمكن أن يكون إلا اتباعا للغرب، أما العودة إلى التاريخ، فمضيعة للوقت والجهد ودون منفعة تذكر.

 لكني حقيقة، منذ أمد بعيد لم أتجه هذا الاتجاه الضيق والرؤية المتشددة في فهم التاريخ، إذ أنهم حاولوا نزع تاريخهم من تاريخهم، وهذا إجحاف في حق الأجداد الذين وصلت حضارتهم إلى أقصى العالم. 

كما أني غير مؤمن بمن جعل التاريخ مسكنه، ولم يلتفت يمنة ولا يسرة. فهذا إجحاف أيضا في حق الغرب والشعوب المتقدمة الأخرى، وفي التطور التكنولوجي والعلمي، وأيضا في حق البشرية جمعاء. لأننا لا نستطيع مواكبة الأمم ونحن نائمون في سبات الماضي، راقدون في مضاجع السلف لا نتقدم خطوات نحو الأمام. فمن سنن الله في كونه: الحركة، وهذا مبدأ عظيم تسير عليه الكائنات فمن تحرك نال مبتغاه بقدر رغبته وإرادته، ومن استكان وسكن ولم يحرك ساكنا بات في سربه مغشيا عليه.

 بهذا المعنى، فإننا نقرأ التاريخ من أجل فهم الحاضر قصد استشراف المستقبل. علما أن هذه القراءة تستوجب ضوابط وقواعد هامة، من أهم هذه الضوابط: التأكد من أن التاريخ الذي نقرأه حقيقي وفيه أخبار صادقة. ثم معرفة الكُتَّاب الذين تكفلوا بكتابته من أجل البحث في شخصهم حتى نطمئن لما نحن بصدد قراءته... إلخ

43 وهذا يجرنا لبسط الحديث حول مقولة "كأن التاريخ يعيد نفسه" عبارة دقيقة وسديدة بينما قليل منا من يفهم معناها الحقيقي، فهي بالذات تعني أن السنن الكونية تعيد نفسها، وأن الأسباب الكونية تتكرر في كل مرحلة من مراحل الحياة، وفي كل عصر من عصور التاريخ، وفي كل زمن من أزمنة الكون. فسننه ثابتة لا تتغير، ونحن أحوج ما يكون إلى التمسك بها، والاستفادة منها أيما استفادة، واستعمالها في الحياة بكاملها وفي شتى مجالاتها. يقول الله تعالى " فهل ينظرون إلا سنة الاولين فلن تجد لسنة الله تبديل ولن تجد لسنة الله تحويلا "سورة فاطر43

 على سيبل المثال لا الحصر، حينما أخذت الأمة الإسلامية بسنن الكون ثم عَمِلَتْ بصدق، صارت حضارة عظيمة تُذكرُ من أقصى العالم إلى أقصاه الآخر بل حكمت فعدلت، فساد العدل بينهم، ونضخ العلم والبحث فيهم، وقلَّ الأمي، وكثر المتعلم والعالم، وتحركت الأقلام، فكتبتْ الأمة تاريخها وانجازاتها في شتى العلوم، وكتبتْ عن أمجادها، ثم أخذت من ثقافات أخرى حتى صارت تعطي أكثر مما أخذت.

 لقد كانت الأمة حينئذ مهدا للعلم والعلماء ومجالا للفكر والمفكرين، ومكانا للأدباء والشعراء. ليس هذا فحسب، إنما شمل التقدم أيضا الجانب العسكري فجُنِّدَ الجُنُود، ودُرِّبوا أحسن تدريب، لأن الأمة حينئذ أدركت أن القوة العسكرية لا تقل أهمية من القوة الفكرية والأخلاقية.

 لكن الأمة عندما تركت هذه السنن واتبعت سبل الانحطاط ضلت الطريق، فخابت وخسرت، إلى أن ضعف تحقيق العدل وانصاف المظلوم فيها، ثم تفككت الوحدة، وأصبح التنوع صراعا، والعالم مقيدا في فكره وعلمه، والمتعلم كسولا خجولا في غير موضعه، إلى أن وجدتَ الناس يبتعدون عن العلم، فاغلقوا صفحات الكتب، وكفوا أناملهم عن إمساك القلم. 

في إطار هذا المحك، ظهرت أبواق تنادي بترك القديم ونسيانه ودفنه في مقبرة الماضي. والانفتاح على الغرب وأمريكا وثقافتهما. ونسيت تلك الأصوات أن الغرب بنفسه بنى حضارته من بعض تراث الأمة الإسلامية. في حين أن الغرب قبل نهضتهم، وقبل أن يأخذوا بأسباب التقدم والتطور كانوا أشبه ما يكونوا بكائنات لا عقل لها ولا دين (منهج)كانوا لا يعرفون للتربية مبدأ، ولا للتنظيم منهجا، ولا للعلم قانونا.

 تجدهم يدخلون الخلاء مثنى وثلاث ورباع لا يعرفون للحياء سنة. وهذا مثال يلخص كيف كانت حضارتهم قبل نهضتهم. لكنهم عندما قرروا النهوض من نومهم، أخذوا بالأسباب الكونية لذلك. وما من أمة أخذت بهذه الأسباب إلا فازت فوزا عظيما وكان لها شأن عظيم بين الأمم.

من هنا نجد أن قراءة التاريخ وتعليمه لأولادنا أمر هام وضروري، إذ أنه يسهل علينا تحقيق التنمية الفردية والجماعية، وبه نعرف كيف تقدمت الأمم وتأخرت، فندرك أسباب النجاح والرقي حتى نتبعها، ونعرف أسباب الانحطاط والركون حتى نتجنبها.

 بعد هذا قد توضَّح لنا بالملموس، أننا بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة التاريخ قراءة جيدة متمعنة. تمنحنا التِجْوَال في حدائق الماضي وفي أراضيه الخصبة، من أجل قطف ثمار العلم والمعرفة، ومصافحة العلماء والمفكرين، ومشاهدة الحروب والفتوحات، وكذا من أجل حضور أقوى السجالات الكلامية والفكرية، والنظر الى أعظم القصور والمباني، وسماع أجمل الأشعار والحكم، كل ذلك من أجل الاتعاظ بتجارب السلف.