زعامات كاريزمية في المغرب: محمد بنسعيد أيت إيدر (4/1)

حسن الأشرف:

في غمرة القيادات والزعامات السياسية والحزبية في المغرب التي تظهر وتملأ الدنيا وتشغل الناس وقتاً قصيراً، ثم تختفي كأنها لم تظهر، تحافظ شخصيات سياسية مغربية على مكانة لها وسط قلوب المغاربة، وتحظى باحترامهم، على اعتبار أنهم "مارسوا العمل السياسي بمفهومه النبيل".

محمد بنسعيد أيت إيدر، أحد هؤلاء الزعماء والسياسيين، كونه ناضل من أجل تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي (1912 ـ 1959)، ثم بعد ذلك دافع بقوة عن ضرورة إرساء الديمقراطية ودولة الحق والقانون في البلاد. ولد بنسعيد في 1 يوليو 1925 في  بجماعة انشادن إقليم اشتوكة ايت باها، وكانت حياته مليئة بمعارضة النظام الحاكم، خصوصاً في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وبدرجة أقل حدة وشراسة في عهد الملك الحالي، محمد السادس. لكنه كما شهد بذلك كل من عرفه عن قرب، لم يخضع يوماً للسلطة.

بنسعيد أيت إيدر، هو أحد رموز اليسار المغربي، عارض حكم الملك الراحل الحسن الثاني، واعتقل مرات عدة، مساهماً في ستينيات القرن الماضي في تأسيس منظمة "23 مارس" اليسارية إلى جانب ثلة من رفاقه. كما حُكم عليه غيابياً بالإعدام مثل رفيقه حينها عبد الرحمان اليوسفي، وكان حينئذ لجأ إلى الجزائر ثم إلى فرنسا.

وعاد بنسعيد إلى أرض الوطن في بداية الثمانينيات مستفيداً من بوادر أجواء المصالحة بين النظام واليسار المغربي، فشرع في استكمال نضاله لبناء وطن حر، بصورة علنية، بخلاف مجموعة من رفاقه الذين اختاروا العمل السري حينئذ. فأسس حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي سنة 1983، التي باسمها ولج إلى مجلس النواب ممثلاً برلمانياً بين عامي 1984 و2007.

وخلال مدة تمثيله منطقة أشتوكة أيت باها نيابياً، عمد بنسعيد متأثراً بروحه اليسارية ورغبته في لمّ شمل هذا التيار السياسي القوي في البلاد، إلى الدفع بتأسيس ما سمي بالكتلة الديمقراطية، التي ضمّت أحزاب الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية ثم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.


وبعد سنوات قليلة اعترى الكتلة الديمقراطية شيء من التشتت والتشرذم، بسبب دخول بعض أحزابها إلى الحكومة، فيما بقيت أخرى خارجها في المعارضة، فضلاً عن تباين مواقفها من عدد من القضايا السياسية. ما دفع بنسعيد إلى التفكير ثانية في لمّ شمل "اليسار الحقيقي"، بتأسيس حزب اليسار الاشتراكي الموحّد، كحزب تنصهر فيه بوتقة منظمة العمل وباقي الأحزاب المرجعية اليسارية والتي لم تشارك في الحكومات المتعاقبة.

ولُقّب بنسعيد بأنه "معارض الملوك الثلاثة"، في إشارة إلى السلطان الراحل محمد الخامس ونجله الملك الراحل الحسن الثاني، ثم نجله الملك الحالي محمد السادس، بدرجات متفاوتة وفي سياقات سياسية مختلفة. فعارض الملكَ الأول بقوة في موضوع حل جيش التحرير، الذي كان أحد مؤسسيه، وعارض الملك الثاني لهيمنته وطريقة حكمه التي كان يصفها بالاستبدادية، ثم استمر في موقفه المعارض لطبيعة النظام في عهد الملك الحالي مطالباً بإرساء ملكية برلمانية عوضاً عن ملكية تنفيذية مقررة.

وطيلة مساره السياسي الحافل عارض بنسعيد دساتير المملكة جميعها، لسنوات 1962 و1970 و1972 و1992 و1996 و2011. ووصفها بـ"الدساتير الممنوحة من طرف النظام الحاكم، التي لا تصل إلى تلبية طموحات الشعب ولا تنبثق منه، وبكونها تكرس الملكية المطلقة والمركزية، عوضاً عن ملكية تسود ولا تحكم".

وحُسب لبنسعيد أنه كان أول من تجرأ في البرلمان المغربي، فطرح في بداية الثمانينيات من القرن الماضي سؤالاً عن سجن تازمامرت الرهيب الذي ضم معتقلين سياسيين في حقبة "سنوات الرصاص" في الستينيات والسبعينيات من حكم الملك الراحل الحسن الثاني. وهو ما أثار حفيظة الدولة حينها، وحاولت أطراف عدة منعه من إثارة الملف، من دون جدوى، فقد أصر بنسعيد على إثارة الموضوع في ذلك الوقت.

بنسعيد أصرّ أيضاً على موقفه برفض تقبيل يد الملك الراحل، مكتفياً بانحناءة بسيطة أمامه احتراماً، من دون تقبيل يده كما جرت العادة السلطانية في المغرب. وهو ما دأب عليه عند لقائه بالملك الحالي، تحديداً في لحظة توشيحه بوسام ملكي رفيع، بمناسبة عيد العرش سنة 2015، نظير مساره السياسي والنضالي البارز. وهو الوسام الذي دفع الرجل إلى القول إثر ذلك بأنه "تكريم ملكي لن يدفعه إلى تغيير موقفه بشأن ضرورة إرساء نظام ملكي برلماني في البلاد".
عن العربي الجديد