لحم "تَغَارِين" .. "سُمّ لذيذ" يُؤثث موائد أيام الأضحى في اشتوكة

رشيد بيجيكن: 

بعد أن تمرّ طقوس الاحتفال بعيد الأضحى في يومه الأول، والتي لا تختلف كثيرا في مناطق عدّة من سوس عن نظيراتها في باقي أنحاء المغرب، من حيث أداء صلاة العيد وذبح الأضحية، وما يليهما من تناول مأكولات أساسها لحم الأَضحية، وإن اختلفت أشكال إعدادها وطهيها.

ويشرع المحتفلون بهذه المناسبة الدينية في تبادل الزيارات بينهم وبين جيرانهم وباقي أفراد عائلاتهم، لتقديم التهاني وصلة الأرحام. غير أن بعض الأسر في اشتوكة آيت باها لازالت تحتفظ ببعض العادات الغذائية القديمة، لاسيما إعداد لحم "تغارين".

و"تغارين" هي التسمية الأمازيغية للحم المجفّف تحت أشعة الشمس، والمعروف بالقدّيد. وتُعتبر أضلع الأضحية الجهة المستهدفة في إعداد هذا النوع من الأكلات. وتشرع النساء، لاسيما بالمناطق الجبلية لإقليم اشتوكة آيت باها، في عملية قطع الأَضلع إلى شرائح صغيرة أو متوسطة الحجم، ابتداء من اليوم الثالث من عيد "تفاسكا"، أو "لعيد مقورن"، الذي يعني عيد الأضحى أو العيد "الكْبِير"، مع تتبيلها بكميات كبيرة من الملح، وإضافة بعض من التوابل والزيت، قبل أن تُخضع للتجفيف تحت أشعة الشمس.

ومما يُلاحظ اليوم أن تغطية المناطق القروية بالكهرباء، وتوفّر الأجهزة المنزلية بالمساكن، لاسيما الثلاجات، أثّر كثيرا على العادات الغذائية بهذه المناطق؛ وإن كانت المنطقة الجبلية لازالت تُصارع من أجل الحفاظ عليها، فإن الناحية السهلية لهذا الإقليم نكاد لا نجد فيها من لازال يُعدّ وجبة القدّيد.

عائشة، سيّدة مُسنة بمنطقة أوكنز، بجبال آيت باها، قالت في حديث لهسبريس: "كُنا نعتمد على تجفيف اللحم، الذي نقتنيه بكميات قليلة جدّا مرّة واحدة أسبوعيا، بمناسبة انعقاد السوق بمنطقتنا، ونتناوله ممزوجا بالخضر في "الطاجين" أو الكسكس، وهو فقط لإعطائها 'اللذة والنكهة'، نظرا لقلة ذات اليد، التي لا تسمح بالتزود باللحم بكميات وافرة".

وأضافت المتحدثة: "عيد 'تافسكا' مناسبة يكون خلالها اللحم متوفرا، على غير عادة الأيام الأخرى، فنستغلها لتجفيف كميات كبيرة من لحم الأضحية، ليمتدّ تناولها إلى أشهر بعد العيد".

و"القدّيد"، أو ذلك "السمّ اللذيذ"، كما يُطلق عليه بعض الساكنة مازحين، يُعتبر بالنسبة لـ"إبافاضمة"، وهي ربّة بيت في المنطقة ذاتها، بديلا عن اللحم الطري، وقالت في هذا الصدد: "تاغارين هي طريقة تهدف إلى الحفاظ على اللحم لأطول مدّة ممكنة، وهي عادة فرضتها الظروف المعيشية في السابق، لاسيما مع انعدام أي وسيلة أخرى من أجل حفظ اللحم، وعدم إمكانية تناول الأضحية خلال أيام قليلة جدا".

تجدر الإشارة إلى أن تحضير القديد يرتكز أساسا على رش اللحم بكميات كبيرة من الملح، مع إضافة عدة بهارات وتوابل، تمنع كل مسبّبات فساده، ما يُكسبه مقاومة ضد المؤثرات الخارجية، فيكتسب "مدة صلاحية" طويلة الأمد، ويتوفر بذلك لشهور داخل البيوت بالمناطق النائية. كما أن الأطباق المهيأة بهذا اللحم المجفف تكون متميزة المذاق، غير أن تلك العادات أصبحت تندثر شيئا فشيئا، إلا في مناطق جبلية، أبت إلا أن تحافظ عليها وتنقلها إلى أبنائها.