سؤال المستقبل بالمغرب !

الحسن بنضاوش: 

ما يطرح الإشكال , ويريق أذهان الشباب و ويجعل الكل بدون استثناء إلا من رحم ربي , هو سؤال المستقبل بالمغرب في ظل الواقع الحالي , سؤال يرافق كل ناشي ويبحث له عن جواب مقنع أو بلسم أمال في البقاء في هذا الوطن الحبيب .

وليس غريب إن نجد الأجيال تتوارث هذا السؤال وهذه الإشكالية الاجتماعية والرغبة في الرحيل أو السفر خارج البلاد من أجل تحقيق الأهداف , فالجيل الأول من المهاجرين إلى الدول الأوربية يعود له الفضل في نشأة المجتمع القروي بالمغرب وتقوية أواصل المحبة والإخاء والتشبث بالأرض وحماية الأصل , وتحقق ذلك لإحساسهم بالغربة في الديار الأوربية والرابط القوي بالعائلة الصغيرة والكبيرة بالبادية المغربية , وخروجهم في حينه ليس لسياحة أو اكتشاف تلك البلدان لكن بعد انسداد الأبواب هنا بالمغرب وقلة أو انعدام فرص الشغل , وبعدما أصبحوا رقما مهما في المعاملات المالية وما يتم جنيه من العملة الصعبة ابتسمت الدولة لهم واعتبرتهم أساس كل مراحل التنمية , والتحق بهم الجيل الثاني الذي يعود إليه الفضل في نشأة المجتمع المدني النشيط وتأسيس الجمعيات والانخراط في أوراش كبرى تنموية بالقرى والحواضر بل حتى في الاستثمار العقاري والتجاري والسياحي و وعلاقة هذا الجيل هو الأخر بالمغرب كانت قوية رغم أنه لم يكن يوفر له من الحقوق خاصة في الشغل والحاجيات الأساسية الضرورية للتنمية ما يكفي وما يغنيه من البحث في ديار الغربة رغم عدم التمكن من اللغة كلاما وكتابة , لكنه جيل عاد قويا وانخرط بعدما حقق لنفسه الاستقلالية المادية وتحسين مستواه الاجتماعي وكسب احترام الدولة والمؤسسات , وبعده كان الجيل الثالث والذي أخذ من العلم والمعرفة ودرس في المدرسة المغربية العمومية أو الخصوصية وفقد الأمل في الحصول على وظيفة تمكنه من العيش الكريم وتحقيق الذات هنا فكانت الضفة الأخرى المطلب والمرغب والغاية والهدف وبعدما تحقق المراد كانت المفاجآت بين من لم يعود منذ أن وصل إلى الضفة الأخرى ووضع علامة حمراء في اتجاه المغرب ومن يزور البلاد بشكل محتشم دون أن يحسب نفسه ضمن هذا الشعب لأنه خرج منه مكرها ولم يستطيع نسيان الحرمان والإقصاء أيام كان هنا ضمن أبناء الشعب .

وأساس هذا كله الدولة بمؤسساتها العمومية وشبه عمومية وسياساتها في جميع القطاعات , دولة تنفق ميزانية كبيرة على المدرسة العمومية والجامعة وتتخرج منها طاقات ومواهب وحالات استثنائية ولكن تضيع في سوق البطالة وتتبخر في جو الإقصاء والتهميش والتدمر , إضافة إلى غياب التأطير الحقيقي والمواكبة والبحث عن السبل الحقيقة لإنجاح مسيرة كل مواطن , فالدولة تنفق بدون نتائج الا القلة القليلة , والسياسات العمومية بدون جدوى ولا فائدة بل تكرس النمطية والطبقية الاجتماعية وتوسيع الهوامش .

واليوم يتجدد سؤال المستقبل بالمغرب في ظل أزمة سياسية واضحة أكدتها حتى المؤسسة الملكية بشكل مباشر , تضاف إلى الأزمة الاقتصادية والمالية والشغل , مما يضع الثقة في المستقبل بهذا البلاد في المحك وعلى صفيح ساخن وتحث المجهر , فالثقة في المستقبل والرغبة في البقاء والتضحية من أجل الوطن لاتتحقق فقط بالشعارات والنداءات والاختباء وراء الاستثناء المغربي والأمن والسلام والاستقرار وهذا لن يتحرك أساسا وإنما تتحرك الأنفاس في اتجاه البحث عن الوصول إلى الضفة الأخرى بأية طريقة كانت , وقد عادت أفات الحريك وقوارب الموت , أو الموت البطي هنا بتعاطي المخدرات والسكر والانحراف والإرهاب الاجتماعي وسط المدن والضواحي وتنامي الجريمة .

والفئة الأكثر استهدافا الشباب , سواءا من كانوا بالمدرسة العمومية أو الخصوصية أو من لم يكتب لهم الإمساك بالقلم أو قراءة النشيد الوطني صباحا أمام القسم , وهذه الفئة هي أساس المستقبل و الضامن الأساسي لمستقبل زاهر بالمغرب .

على الجميع تحمل المسؤولية والانخراط الفعلي في ضمان نسبة كبيرة من الثقة في الدولة والمؤسسات والاحزاب , وهذا هو التحدي الحقيقي لمن في المسؤولية أو مفكرا أو عاقلا أو مهندسا سياسيا أو واضعا لسياسات عمومية لفائدة هذا الشعب ومستقبله في ظل الاستثناء العالمي والإقليمي والقاري .