تـاريــخ "أدرار" يُسائـلـنــا الـيــوم !

الحسن بنضاوش: 

قد يتسأل البعض عن علاقتي بـ"أدرار" (المنطقة الجبلية), من خلال كتاباتي واهتمامي , لن يستغرب السائل إن سمع مني كلمات من قبيل أن أدرار مسقط رأسي ومصدر إلهامي , هناك تربيت وعرفت الكون , ولي شرف الانتماء إليه , إضافة إلى ما أكتشفه كل يوم من أصالة عريقة وتاريخ مجيد , ومحطات تستدعي نفض الغبار والإنصاف الحقيقي حتى لا يستمر النسيان إلى ما لا نهاية أو إلى الموت الأبدي أما أعيننا وفي غفلة منا.

وتاريخ "أدرار" صفحات من الأصالة العريقة من خلال النشأة بعد الالتحاق أو المجئ من مناطق أخرى , عائلات بأنساب مختلفة التقت بذلك الفضاء الجغرافي , وتعايشت مع من كانوا يسكنون قبلها ومن جاء بعدها بإرادته أو خوفا من بطش الأعداء والأقارب في مسقط رأسه , بحثا عن السلم والاطمئنان حتى تكوّنت تلك المجموعات البشرية من أسر دينية وأخرى شريفة وهناك عبيد وأسر أخرى عادية النسب , في مراحل وفترات تكوينية في شكل جماعات وأسر وأفراد وعائلات كلهم أمازيغ عرقيا .

واليوم هذا التاريخ العريق والذي يمتد إلى قرون مضت, يسائلنا جميعا كل في موقعه , وحسب إمكانياته وظروفه الشخصية والعائلية والمهنية , قصد إنصافه ورد الاعتبار له من خلال جمعه من أفواه وصدور الشيوخ والمسنين والذين يغادرون يوميا إلى دار البقاء بدون أن نسجل ما كانوا عليه من معطيات وتواريخ ومحطات زمنية ومكانية غنية في تاريخنا المشترك لـ"أدرار" أيت صواب , وجمعها وتصنيفها وتدوينها لتكون في متناول الجميع , ومادة خامة وأساسية لكل راغب في الغوص في الماضي العظيم لايت صواب, وهذه مهمة الباحثين من الشباب والكبار , فالمنطقة شاسعة وغنية كذلك مما يضع مسؤولية الجمع والتدوين على عاتق الكل بدون استثناء ربحا للوقت واستغلالا للظروف والقرابة العائلية والمحيطية بمن هم عندنا خزانات بالدم والروح وعقل وذاكرة لكنها تعيش مرحلة الشيخوخة.

وعلى المجالس المنتخبة رغم ما تدعيه من ضعف الميزانيات وندرة المداخيل, الانخراط في هذه المهمة التاريخية والكونية والإنسانية لهذه المنطقة العظيمة في خريطة المملكة المغربية بماضيها المشرق وحاضرها المستمر ومستقبلها الواعد, بما يتيحه القانون والعرف المحلي من طرق ومسالك لدعم المبادرات الساعية إلى جمع وتدوين تاريخ المنطقة والاحتفال برموزها وشخوصها ذكورا وإناثا , وتسطير برامج سنوية في هذا المجال بشكل مشترك وجماعي بعيدا عن النزعة القبلية والتعصب للمنطقة دون أخرى .

وعلى أسرة الفكر والثقافة بالمنطقة ممن أصبحوا على الصعيد الوطني والدولي أرقاما مهمة في المعادلات الثقافية والفكرية والتاريخية ان يردوا الجميل إلى مسقط رأسهم ويساهموا في كتابة وإنصاف تاريخنا المشترك والترافع حوله في المؤسسات الإقليمية والجهوية والوطنية وكذا الدولية من أجل تحقيق الإنصاف الحقيقي وحفظ الذاكرة وتجسيد الأجداد وما حققوه من مكتسابات وانتصارات وانكسارات من أجل حاضر غني ومستقبل ينبع من الماضي ما يجعله يكون في مستوى تطلعات الأجيال القادمة , فالتاريخ لا يعرف قيمته الا لمن لا يملك منه إلا قليلا , أو من يفقده جملة وتفصيلا .

واليوم ,أنا أكتب هذا المقال , لا أستبعد فقدان كم هائل من الثروة التاريخية , وفائض كبير من الأرشيف التاريخي لادرار أيت صواب , بسبب النسيان والإهمال وعدم الاهتمام , والنفور عن المجال لما يستدعيه من حضور قوي بالميدان وضرورة الاحتكاك مع المسنين والشيوخ وقلة الأرصدة الحقيقية والموثوق فيه بالمنطقة , لكن المسؤولية تستدعي كما قلت سابقا خوض الغمار وركوب أمواج العمل والبحث والتنقيب عن المعادن النفيسة والثمينة في صدور وأفواه النساء والرجال ممن بقي على قيد الحياة .

وعندما يعمل كل في موقعه وحسب إمكانياته على جمع المعلومات وتصنيفها وتدوينها , سيتحرك العقل الصوابي بشكل أكثر واقعية , وسيتخطى الكثير من الصعاب والهفوات , وسيحقق على أرض الواقع أهم المكتسبات في مختلف جوانب الحياة , فقراءة التاريخ قراءة صحيحة بعيدة عن الاصطدامات والعصبية يكون سببا لمعالجة جميع الأمراض بدون استثناء خاصة المدمرة لأن الأجداد أسسوا أيت صواب رغم الصراعات والتطاحنات على مبدأ الجماعة والتضامن وتحقيق الوحدة وهذا سر البقاء والاستمرارية إلى اليوم.

تاريخنا يسألنا ويطلب منا النبش فيه , واستخلاص العبر والدروس في جميع مناحي حياة الأجداد , فلعلنا اليوم أضعنا الاتجاه , وتركنا البوصلة بدون الصواب , وقد نؤدي ثمنا باهضا في المستقبل وقد يكون ثمنها أضعف للأحفاد كذلك .

ولنا في التسمية أول درس في التاريخ إلى اليوم , سمي أهل المنطقة جميعا بعدد القبائل البالغة 12 قبيلة أيت صواب و الكل يعرف ماذا تعني كلمة الصواب أي من يملك صفات حسنة واحترام ووقار وسلوك في مستوى عال من المسؤولية .

وأخيرا تاريخنا يسألنا وعلينا الإجابة عن أسئلة تاريخنا العظيم في زمن العولمة والرقمنة والافتخار بالنسب والعائلة والأصل .