"أدرار" أيت صواب باشتوكة .. صيام الأبدان ما بين التقليد والحداثة

بيوكرى نيوز: 

من الواجب والصحي اليوم, قراءة جميع المناسبات السنوية سواء الدينية والاجتماعية, قراءة نقدية لاستخلاص العبر, ومواكبة تطور المجتمع والتي تستدعي التأطير والتتبع من أجل تحقيق المواطنة الكاملة, وعليه وجدنا أن الصيام كركن من أركان الإسلام , وشعيرة دينية جامعة للمسلمين , ومحطة سنوية لها وقعها الاجتماعي والديني والروحي على نفوس الصائمين وعموم ساكنة الوطن , فالمجتمع بـ"أدرار" (المنطقة الجبلية) أيت صواب يعيش تطورا بين التقليد والحداثة .

1_ كيف كان الصيام أيام زمان :
باعتبار الصيام ركن من أركان الإسلام الأساسية, فهو شعيرة دينية بأهمية بالغة في حياة المسلمين بـ"أدرار" كغيرهم في جميع بقاع الوطن والعالم الإسلامي كذلك , إلا أن الخصوصية المحلية تحضر بالقوة، بل تفرض نفسها حتى في المحيط القصير إلى خصوصيات محلية في المجال المحلي نفسه, والتي تستند إلى طبيعة الأسر، والمستوى المعيشي لها, وما يقدمه المحيط نفسه من معطيات وخدمات.

وصيام الأجداد هو الآخر مر بمراحل , منذ نشأة حلول الإنسان بهذا المجال , لكنه يعتمد دائما في المراحل الأولى على ما توفره المنطقة من مواد أولية وأساسية للعيش من قبيل الخضروات الجافة والفواكه الجافة واللبن ومشتقاته, وخليط المريس الطبيعي والصحي من الشعير, وكان إجماع على الشعائر الدينية المرتبطة بشهر الصيام والإمساك فكانت المساجد تعرف حضورا لكل الفئات خاصة صلاة العشاء والتراويح وليلة سابع والعشرون من الشهر .

وهناك من المناطق ما يعرف انخراط المرأة في الطقوس الدينية , وحضور التراويح , وأمسيات امداحية خاصة لدى العائلات الدينية وبمحيطات تواجد الزوايا والمدارس العتيقة .

وخلاصة القول بخصوص صيام الأجداد انه يعتمد الكفاف والعفاف, والصيام لله بقوة الإيمان والتقرب إلى الله .

2_ صيام الأحفاد : 
أما اليوم فالصيام بـ"أدرار" أيت صواب كما هو بجميع مناطق المغرب, طريقة العيش وسلوكياته عرفت تطورا كبيرا , أملته الظرفية الاقتصادية وتحسن النمو الاجتماعي, وثقافة العيش لدى الآسر والعائلات, فقبل صيام على الماء وما توفر من الأطعمة الجافة أصبحت مائدة السحور تعرف حضور فقط العواصر والأطعمة الخفيفة حيث غابت أكلة الطاجين لدى غالبية الآسر, أما الإفطار في ما مضى فكان بالحريرة الطبيعية المحلية المواد ( الشعيرة _ الذرة ) , إضافة إلى الفواكه الجافة ( التين _ الصبار ) مع حليب البقر أو المعز, وبعد صلاة العشاء والتراويح وجبة العشاء بالطاجين أو الكسكس , واليوم أصبحت وجبة الفطور رسمية وبجميع المواد الغذائية من حريرة بمختلف الأنواع والطرق , وخبائز وحلويات وعواصر والحليب ومشتقاته , بينما أصبح العشاء بعد الصلاة تختلف من أسرة إلى أخرى وتختفي لدى البعض الآخر بعد تطور النمط الغذائي والمعيشي بهذا المجال الجغرافي .

وفي ما مضى كانت العائلات في شكل الأهرام العائلية تعيش بشكل جماعي مما يوفر نمطا معيشيا جماعيا على مائدة الإفطار والعشاء والسحور , وولائم بالمساجد أو بأماكن عمومية ( البيدار) أو نقط القرب بالدوار , تجتمع النساء وكل عائلة تساهم بما توفر من اللحوم البيضاء أو الحمراء والخضروات وما الى غير ذلك، وينطلق اللقاء بعد العصر وتعد المأكولات في الفضاء الخارجي وتعرف حضور النساء والأبناء والأطفال , وبشكل جماعي يتم الفطور والعشاء والدعاء الختامي , ويتم إرسال نصيب إلى المساجد.

وتعرف هذه التجمعات النسائية أمداح نبوية أمازيغية , وحصص في سيرة المصطفى بطريقة رائعة تستهوي النساء والصغار من طرف سيدات عارفات ,بينما اليوم يعيش المحيط حالة الانفراد والفردنة , وصعوبة اللقاءات الخارجية بعد تدخل مؤثرات خارجية على العائلة من قبيل الإعلام والتلفاز والنيت وعدم الاستعداد الكافي لتضحية والإعداد الكافي لمثل هذه التجمعات , مما جعل بعض العادات والتقاليد التي كانت تقوي التضامن والتآزر وتخفي وتمحو الخلافات والصراعات العائلية والفردية في شهر الغفران , ليبقى المسجد الفضاء الوحيد الذي بقي على عهده لكن فقط في صلاة العشاء والتراويح وفي ليلة القدر , بينما الصلوات الأخرى لا تعرف النسبة المطلوبة ولا تلك الولائم المعتادة , فالكل يجمع على تراجع اللقاء والاجتماع والاتجاه الوحيد نحو الفردنة والوحدة والعزلة الاجتماعية سواءا لدى الرجال أو النساء .

3_ لكن ماهي الأسباب ؟
الجواب على هذا السؤال, لا يستدعي التفكير الكثير لأن التطور الحاصل في المجتمع الادراري , لا يختلف كثيرا عن غيره إقليميا ووطنيا, متأثر بشكل كبير بنمط العيش , ونمو المستوى الاجتماعي والثقافي , وتدخل الإعلام السمعي البصري في حياة الأسر والأفراد , وتزايد الهجرة نحو المدن , هذا الوضع أفرز حالة استثنائية بأدرار جعلت منه محيطا بأسر شبه متباعدة رغم القرب العائلي والمجالي .

4_ خلاصة :
منطقة أدرار أيت صواب, كغيرها من المناطق تعيش حالة خاصة بين محاولة الاحتفاظ على التقليد وما كانت توفره من مميزات وخصوصيات باهرة تحمل رسائل كونية وإنسانية في جميع المناسبات الدينية والاجتماعية وبين الحداثة والبحث عن الذات في زمن العولمة والسرعة والمعلوميات, مما يجعلها في لحظات البحث عن الذات والخصوصية المحلية والسير بالمواطن نحو الأفضل تقليدا وحداثا .