أهمية الجهوية في العملية التنموية

حكيم بواسلي

إن ما وصلت إليه الدول المتقدمة اليوم، هو تراكم تاريخي لعملية التفكير العلمي في خدمة المواطن، بشكل حداثي، ففي هذه البلدان لم يعد المواطن محتاجا الى التعامل مع السلطة المركزية (الإدارات، القطاعات، الوزارات، المنتخبين) بل إن النموذج الألماني والأمريكي اليوم ضرب المركزية في عمقها، فجزئت المركزي إلى أجزاء (تالكوت بارسونز، نظرية الأنساق) فصار الأصغر هو الأقرب الى خدمة المواطن ما عدا السياسات الخارجية والجانب العسكري فهو مخول للسلطة المركزية.

إن دراستنا للمركزية بالمغرب يتطلب وضعها في مختبر أنتروتاريخي، إن الدولة المغربية يمتد تاريخها إلى قرون عديدة، لكن التحول الجذري البنيوي (الشيخ والمريد، عبد الله حمودي) طرأ مع مرحلة الحماية الفرنسية وبداية ما يسمى بالدولة الحديثة (61 سنة).

إن النظام السياسي بالمغرب كان نظاما قبليا بامتياز، وحضور نظام المخزن كان نظاما رمزيا شكليا (روبير مونطاني، البربر والمخزن)، لكن مع دخول الحماية الفرنسية إلى المغرب، عصف بهذا النظام القديم (الزاوية، القبيلة) وأدخلت الحماية نظاما جديدا، كان يسمى بالإدارة المركزية (الفلاح المغربي المدافع عن العرش، ريمي لوفو) إن الغوص في هذا الموضوع يتطلب منا صرامة أكاديمية، ووقت كافي للبحث فيه، لذلك سنختصر المركزية من بداية بناء الدولة الحديثة (ذاكرة ملك) إلى الربيع الديموقراطي 2011 (الثورة التونسية).

إن محمد الخامس لم يحكم المغرب بعد الاستقلال إلا خمس سنوات وكانت سلطته تسمى بالسلطان في ارتباطها الوثيق بالمخزن، لكن الحسن الثاني حاول عند تربعه عرش ملك البلاد قام بوضع قطيعة مع مفهوم السلطان ومحاولة بناء الدولة الحديثة، فظهر الحزب السياسي والجيش الملكي... إذن تاريخ الإدارة بالمغرب ليس تاريخا طويلا بالمقارنة بالدولة الأمريكية... إدارة الحسن الثاني لم تكن تستوعب مفاهيم عقلانية حديثة كالعدالة الاجتماعية واللامركزية وتجاوز التفاوتات المجالية، لذلك كانت الإدارة المركزية في عهده إدارة مركزية بامتياز إلى درجة أن مواطنا مثلا من الجنوب الشرقي، إن كان بحاجة الى وثيقة بسيطة عليه التنقل الى العاصمة الرباط، ناهيك عن الاستثمارات الكبرى للدولة كانت موجهة للعاصمة وضواحيها أو ما يسمى اليوم بالميتروبول أو المركز.

الشخصية الثانية المؤثرة في الدولة الحديثة بالمغرب إدريس البصري وزير الداخلية الذي كانت له كافة صلاحيات التدخل في جميع القطاعات (الاقتصاد، السياسة العمومية، الأمن...) هذه الشخصية بالضبط لعبت دورا رئيسيا في تثبيت سياسة المركزية بالمغرب فمثلا (مداخيل الخضراوات، الحوامض والفواكه بأحماض سوس كانت توجه لبناء مدينة سطات مسقط رأسه).

هذه المركزية التي شهدها المغرب إلى تولي محمد السادس تدبير شؤون البلاد باعتباره ملك البلاد الجديد يجد هو وادارته مشاكل قاتلة، هي عبارة عن رواسب سياسية تاريخية، خلقت لنا مغرب المركز_ مغرب الهامش. دون أن ننسى مشكلة الصحراء التي تعتبر أصلا مشكلة سياسية لم تكن أصلا ولكن المركزية هي من خلقتها، ناهيك عن الفقر المدقع في هوامش المدن (في القرى، الجبال...) + ضغوطات المؤسسات الدولية (البنك الدولي، الاتحاد الأوروبي...) لحل أزمة المركزية والتفاوتات المجالية أما على المستوى الداخلي تنامي الوعي لدى المجتمع المدني بضرورة العدالة المجالية (الخطاب الملكي2011).

2011 كانت سنة شهدت فيها تونس ثورة سياسية تم فيها إسقاط النظام التونسي وانتقلت الى دور شمال افريقيا (ليبيا_مصر) وبعض الدول العربية (اليمن)_ المغرب حالة خاصة في هذه المرحلة قد فطن الى ضرورة التغيير فمثلا من مطالب حركة 20 فبراير أثناء الربيع الديمقراطي كان من بين مطالب هذه الحركة (العدالة الاجتماعية_الكرامة_العدالة_المجالية... ) فسنة 2011 دستورية تشريعية استثنائية بالمغرب، نظرا للظروف التي سبق ذكرها، فأصبحت الجهوية مقترحا لحل الأزمة (الدستور 2011)، فمطالب حركة 20 فبراير كانت مطالب اجتماعية تنموية بالأساس، فالأزمة إذن: أزمة تنمية، أزمة عدالة اجتماعية، أزمة مطالبة بالمساواة، أزمة المطالبة بالعدالة الاجتماعية، وأدرك المغرب الى أن القطيعة مع المركزية أصبحت مسألة بنيوية لا تراجع عنها.

مفهوم الجهوية: إذن الجهوية هي وليدة تاريخ نظام المركزية الذي كانت الدولة المغربية تنتهجه، فلا يمكن للعدالة الاجتماعية أن تتحقق في ظل سياسة المركزية، بل إنها علاقة منطقية مع تطوير سياسة الجهوية المتقدمة لتصير نظاما شموليا، سنة 2015 كان أول حدث انتخابي جهوي بالمغرب ينتخب فيها مجلس الجهة (استقلالية ميزانية الجهة، استقلالية التسيير والتدبير من طرف الجهة منتخبون من طرف المواطنين بشكل مباشر جميع أقاليم الجهة).

إذن هنا الدعوة موجهة إلى تبني سياسة الجهة كركيزة أساسية لعملية التنمية بالمغرب. استنتاج: في كتابه "التنمية حرية" أمارتياصن (عالم اقتصادي هندي) أستاذ جامعي بجامعة كامبردج زميل رئاسي لرئيس البنك الدولي، حائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية، من بين المدافعين عن الحرية كمكون أساسي للتنمية والتطوير.

إن قراءة أمارتياصن للتنمية ليست قراءة تنادي بالعدالة المجالية والجهوية، بل إن أمارتياصن تجاوز الرؤية الكلاسيكية التي ترتكز على خدمات اقتصادية واجتماعية بالأساس للمواطن، فهو برؤيته في هذا الكتاب يطرح مسألة الحرية باعتبارها حق طبيعي للإنسان فيربط بين التنمية والحرية ؛حرية التعبير والمشاركة السياسية والمقاربة التشاركية ومقاربة النوع في العملية التنموية، فهذه الأخيرة لا يمكن أن تجسد على أرض الواقع دون الاعتقاد الراسخ والايمان القوي للدولة بأن الحرية الفردية للمواطن هي الشروط المحققة للتنمية، فيعرض مثال النموذج الياباني كنموذج رائد في التنمية لأنه في الأساس اهتم باستثمار قدرات الانسان، علما بان الاهتمام بقدرات الانسان عملية ناجعة، فاليابان ليست لها موارد طبيعية مقارنة بالمغرب، لكنها استثمرت في قدرات الانسان.

إذن العملية التنموية عند امارتياصن رؤية جديدة حداثية تجاوزت (ما يسمى بالمطالب الخبزية بالمغرب حاليا). لو قارنا اليابان، أو اليابان، أو ألمانيا بقصر أو الامارات لوجدنا أن الدخل الفردي للمواطن القطري مرتفع على الصعيد العالمي، لكن السؤال المطروح: هل ينال المواطن القطري نصيبه من الحرية؟ وقسطه في التأثير في بناء القرار؟ لا وألف لا، بل إن المواطن القطري محروم من حرية التعبير من المشاركة السياسية بمنطق العالم الاقتصادي أمارتياصن.

توصية: إن المغرب، عليه أن ينهج سياسة تكفل للمواطنين الاستفادة من "الخيرات السياسية"، كما يسميها أمارتياصن، والطبيعية، فمازال المغرب متأخرا كثيرا مقارنة بالدولة الإفريقية المجاورة في التعليم (يؤكد تقرير البنك الدولي لـ2013 على أن %83 من النساء القرويات أميات). إن أمارتياصن يرى بأن التعليم حل لا بديل عنه لأية انطلاقة في مشروع التنمية، فاليابان وسنغافورة دولتان أسستا عظمتهما انطلاقا من الاهتمام بالتربية والتعليم، فعند أمرتياصن فالمدرسة هي المؤسسة هي المؤسسة الأساسية والرئيسية للدفع بعملية التنمية نحو الأفق وتحقيق المستقبل الزاهر.