عاملات الزراعة في رمضان .. التحرش "يغيب" والمعاناة تستمر

رشيد بيجيكن: 

تُكابد الآلاف من النسوة في عدة مناطق بإقليم اشتوكة آيت باها المرارة والمعاناة اليومية، قبل وبعد الوصول إلى الضيعات الفلاحية، حيث يشتغلن كعاملات زراعيات.. ولشهر الصيام بالنسبة إلى هؤلاء قصص معاناة أخرى.

ففي الجماعة الترابية لآيت اعميرة، إحدى أكبر الجماعات استقطابا للاستثمارات الفلاحية العصرية، حيث تكاد البيوت البلاستيكية تُغطّي كامل المدار المسقي لسد يوسف ابن تاشفين، يفرض شهر رمضان على العاملات الزراعيات مغادرة بيوتهن مباشرة بعد تناول وجبة السحور، للتوجه إلى "الموقف"، الذي تنطلق منه رحلة العمل أو لحظات انتظار فرصة عمل.

حركة غير عادية تلك التي تدِبُّ في مركز آيت اعميرة خلال الساعات الأولى الموالية لفترة تناول للسّحور: شاحنات، سيارات فلاحية، دراجات ثلاثية العجلات وعربات مجرورة وغيرها من وسائل النقل المألوفة لدى هؤلاء النسوة، تملأ الشارع الرئيسي وأخرى تلج الأحياء والهوامش المجاورة، كما أن منها ما يصل إلى الجماعات الأخرى؛ غير أن قاسمها المشترك يتمثل في إجماع العاملات حول كون ظروف نقلهن مُزرية.

عائشة، عاملة زراعية تنحدر من ضواحي إقليم خنيفرة، أوضحت، في تصريح لهسبريس، أن "الله مع العاملات في هذه المنطقة"، وكشفت أنها تضطر إلى التوفيق بين ما تتطلّبه طقوس شهر رمضان المبارك من حيث إعداد الوجبات، وبين العمل داخل الضيعات، التي لا "تترك في أجسامنا عظما في مكانه"، في إشارة منها إلى حجم التعب نتيجة الأعمال الموكولة إليهنّ.

وتورد عائشة، التي تقيم منذ أزيد من عشر سنوات بدوار "العرب" في آيت اعميرة: "مُباشرة بعد الانتهاء من وجبة السحور، نتجرّد من ملابسنا المنزلية، لارتداء 'الزي" الخاص بالعمل وسط الضيعات الفلاحية، لأترك المنزل إلى غاية عصر اليوم نفسه، حيث أرجع إلى البيت، لاستبدال ملابسي، وبعدها أقصد السوق من أجل جلب بعض الحاجيات الضرورية، لتبدأ فترة إعداد الفطور، التي تستمر إلى غاية أذان المغرب، وبذلك تستمر سلسلة عملي دون توقف من الساعات الأولى إلى ما بعد العشاء".

إيطو، العاملة الزراعية بالمنطقة نفسها، صرّحت بأن مشاكل القطاع تتفاقم وتزداد معاناة العاملات الزراعيات في شهر رمضان؛ فـ"ضعف الأجور، وظروف النقل، والمخاطر الصحية الناجمة عن استعمال المبيدات الكيماوية وغيرها، تنزل بثقلها، وتكبح رغبة العاملات في الاستمتاع بالأجواء الرمضانية على غرار الأسر ذات الوضع المستقر، مما قد لا يُضفي على هذا الشهر الفضيل بالنسبة إلى العديد منّا أي طابع خاص، لتبقى دورة الحياة تُعيد نفسها".

باستثناء غياب التحرشات الجنسية، وحلول محلها اللفظية منها، التي غالبا ما تكون العاملات الشابات ضحايا لها من لدن أرباب العمل أو مسيّري أو مسؤولين في الضيعات أو الحقول الزراعية، فإن العديد ممن تحدثت إليهن هسبريس يكدن يُجمعن على أن شهر رمضان يُعدّ استمرارا لباقي الشهور، وبنفس صنوف المعاناة والمشاكل، التي تكاد تلازم هؤلاء طيلة رحلات العمل، في الشغل وفي البيت، ولم يُضْفِ الشهر الفضيل أية خصوصية على الحياة الخاصة والعملية لتلك العاملات.

وأصبحت ظاهرة "العْطَاشْ" إحدى أبرز طرق العمل التي تفضلها العاملات والعمّال على السواء في شهر رمضان، وهي عملية تسمح لهن أو لهم بإتمام العمل في أوقات مُبكرة، وتقوم على أساس تحديد نوعية العمل بدقّة من لدن المسؤول، ومنح العاملة أو العامل الحرية في إتمامه دون التقيُّد بالوقت، مما يُعتبر دافعا للعاملات والعمل إلى مضاعفة الجهد، من أجل مغادرة الضيعات والالتحاق ببيوتهن لـ"الانغماس" في متطلبات اليوم الرمضاني.

ففي هوامش مركز خميس آيت اعميرة، حيث كل مظاهر الفقر والهشاشة بادية، والبنيات التحتية شبه منعدمة، "نبتت" المئات من المباني العشوائية، تأوي آلاف الأسر من التي تتم إعالتها من أشغال الزراعة في المنطقة، تتميّز غالبية من هذه الأسر بإسناد المهام الخارجية إلى النساء، وفي شهر رمضان، يكتفي الرجال بلزوم المنزل نهارا، في حين يبقى الليل للسمر إلى أوقات متأخرة، بعد أن ينَلن بعض المبالغ المالية من زوجاتهن، لتنفرد العاملة إلى أشغال البيت وتربية الأبناء، في انتظار رحلة اليوم الموالي.