"هادي أرض مُولانا" .. شعار ماذا وراءه ؟ ( تقرير خاص عن الرعي الجائر ومافياته)

بيوكرى نيوز: 

 يبدو الموضوع في غاية الحساسية، وفي منتهى الأهمية  يتطلب الجرأة وركوب الصعاب من أجل الوقوف على حقيقة ظاهرة سنوية تجتاح المناطق الجبلية والسهلية لاشتوكة أيت باها، حتى أصبحت بأساليب وتصرفات وسلوكيات خطيرة قد تتحول في يوم من الأيام إلى اصطدام حقيقي بين أبناء الدولة فقط بإسم الحرية وبالأفضلية المنسوبة إلى جهة على حساب أخرى. 

جريدة بيوكرى نيوز الالكترونية المؤمنة بالحقيقة والوقوف على واقع ظاهرة الرحل والرعي الجائر، أرادت دخول الغمار وانجاز تحقيق عن الظاهرة بحياد تام وبدون أحكام مسبقة الغاية منه المساهمة في رفع الحيف والوقوف عند مكامن الخلل وإثارة الانتباه للمسؤولين بخصوصها من أجل إيجاد حل سلمي لهؤلاء، تجنبا لمزيد من الاصطدامات وما يرافقها من سلوكيات لا تليق بالمنطقة وساكنتها.

 تاريخ الرحل بإقليم أشتوكة أيت باها
 الظاهرة حسب كبار السن كانت قديمة، وخاصة في سنوات الجفاف والقحط، التي تحل بالمنطقة، جبالها وسهولها وهضابها، فبعض أفواج الرحل يأتون من مناطق معروفة ( ورزازات _ تنغير _ ومناطق صحراوية ) يقضون أوقات معينة بمناطق معروفة كذلك في تعايش مع الساكنة ومحبة وإخلاص وتعارف، كثيرا ما يصعب معه الفراغ لكون الوافدين يحترمون الخصوصية المحلية وأماكن الرعي وأوقاته وممتلكات الساكنة، بل يساهمون في توفير اللحوم بالأسواق وهناك ِولادات بالمنطقة لأبناء وبنات الرحل ومنهم من يحصل إلى يومنا هذا على وثائقه ببعض الجماعات الترابية بالإقليم،  لذلك لا تحصل الاصطدامات ولا تصل الأمور إلى التوتر طيلة فترة الإقامة التي لا تكون الا تحت الحاجة وبضغط من المناخ الجاف.

الرعي الجائر (مافيات الرعي)
 واقع اليوم بالنسبة لهذه الظاهرة يقول عكس الماضي، ويطرح أكثر من سؤال بالنسبة للمنطقة بعدما أصبحت الجماعات الترابية لإقليم أشتوكن أيت باها سنويا تعرف توافد جحافل من الإبل والمعز والأغنام بشكل جماعي وأفواج منظمة تستعمل الشاحنات الكبرى في نقل المواشي، إضافة إلى وسائل نقل متطورة من سيارة "لاندروفير"، تحسن اختيار الأماكن بالدقة وتستعمل كل الأساليب والممارسات من أجل الاستقرار وممارسة مهامها بالنسبة للماشية، وقد عرفت السنوات الأخيرة بالإقليم سلوكيات وممارسات وضعت الظاهرة في لائحة سوداء وطرحت بخصوصها أسئلة عن هذه المافيات المنظمة ومن يقف وراءها وكيف يتم التعامل معها ؟ مع سؤال مصيري وجوهري لدى الساكنة عن كيفية التعامل معها رغم ما تحدثه من خسائر في الممتلكات والمرافق، وما ينتج عنه من جروح وإصابات في حالة التعبير عن الاحتجاج والدفاع عن الممتلكات أو قول كلمة الحق ؟

كيف يمارس هؤلاء الرعي ؟
مسألة الرعي بالمناطق الامازيغية منظّمة بالعُرف، يعرفه كل مالكي الأغنام والمواشي , يحترم أوقات الرعي والأماكن المخصصة له, ولا يؤثر سلبا على المحاصيل والمزروعات, كما أصبح يطرح سؤال الأرض في شموليته وكونيته الحقوقية, ويعد نقطة سوداء في علاقة الساكنة بالدولة في ما يسمى الملك الغابوي والأساطير المؤسسة له.

 هؤلاء الوافدين والراغبين في الاستفادة من الكلأ والغطاء النباتي بالمنطقة, لا يأخذون بعين الاعتبار الخصوصية المحلية, والعرف المحلي المنظم لهذه المسألة وأمام أعين السلطة المحلية والدرك الملكي تمر الشاحنات والسيارات, وبعد استقرارها بمنطقة ما تكون أغلب هذه المؤسسات الراعية للأمن والاستقرار على علم بالسلوكيات والممارسات التي يقوم بها هؤلاء من خلال تقارير يومية من "مقدمين" وشيوخ تلك المناطق, بينما تركن المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر إلى الصمت والسكوت، بينما الإبل تحدث كارثة في الاشجار الغابوية على رأسها "أركان"، حسب مفاهيمها القانونية وهي مسؤولة على حمايتها وتنميتها وهي التي لا تغفل عن الساكنة المحلية عندما تخرق القانون في المحيط "الاركاني" .


هؤلاء الرحل يبدأون بزيارات خاطفة للمناطق المستهدفة ثم التواطؤ بمقابل مع بعض الاشخاص من المنطقة لتسهيل معرفة مكان الاستقرار وتقديم خدمات استخباراتية عن الساكنة وتحركاتهم ثم يأتون بالإبل والأغنام والمعز وتنصب الخيام وتوضع الصهاريج المائية ويبدأ الاستغلال العشوائي واللاإنساني وغالبا ما يكون الاستقرار والرعي بجوار المداشر والدواوير وأمام المقابر والأضرحة ويتم استغلال الآبار المائية الاحتياطية للساكنة والمطفيات الخاصة والعامة.

اليوم ونحن في موسم الحصاد ورغم ان الساكنة تسارع الوقت من أجل حصد محاصيلها الا أن مافيا الرعي قد أحدثت خسائر في المحاصيل الزراعية حيث كشف شهود عيان لبيوكرى نيوز ان هؤلاء يتتبعون آلة الحصاد في بعض المناطق ولا يتركون أصحاب الارض حتى لجمع محاصيلهم الزراعية!. 

مؤخرا في إحدى الجماعات الترابية بإقليم اشتوكن ايت باها حدث اصطدام قوي بين الساكنة والرعاة وصل الى حد إصابات مواطنين  بجروح متفاوتة كما تدخلت السلطات المحلية وكانت الأمور تسير في اتجاه تنفيذ إعتقالات في صفوف الجناة من اجل محاكمتهم لولا تنازل الضحايا، مما جعل العلاقة بين هؤلاء الرعاة والساكنة علاقة اصطدام يومي وشر وخوف وتراقب  وإصطياد الفرص كل في موقعه حسب الإمكانيات المتوفرة والفرص المتاحة.


(مشاهد من مواجهة بين السكان والرحل بالمنطقة الجبلية لاشتوكن ايت باها)

هذه الحالة ما هي الا واحدة من بين عشرات الحالات التي شهدها الاقليم وكذا مناطق عديدة بجهة سوس ماسة، دون ان ننسى حادثة مقتل احد الرعاة الرحل بجماعة تسكدلت والذي ينحدر من إقليم فكيك بعد سقوطه من أعلى منحدر بمنطقة أيت واسوا بعد تبادل الرشق بالحجارة مع شخصين من المنطقة، وتم إعتقال احد الاشخاص من أبناء المنطقة وإيداعه السجن.

 نقط قوة هؤلاء في نظر الساكنة 
الساكنة تحاول التأقلم مع الظروف ومع الواقع لكن الأمر يصل إلى ما لا يستحمله الصبر وهُنا يلجأ الضحايا إلى السلطة المحلية والتي غالبا ما تقوم بالتحري ومعرفة من هم هؤلاء ومن أية منطقة جاؤوا، وحسب الساكنة فالسلطات المحلية تتعامل بطريقتين مختلفتين مع كل منطقة فإذا كانوا من المناطق الشرقية يتم التفاوض معهم بشكل سلمي وكثيرا ما يتم ترحيلهم بمجرد ان يقع اصطدام مع الساكنة، اما القادمين من المناطق الصحراوية فغالبا ما يتم تجاهلهم وسلوكياتهم وهنا نستحضر القولة المشهورة لهؤلاء "هذي أرض مولانا"، ومؤخرا تسمع الساكنة مقولة جديدة مفادها "كيف تريدون الصحراء ولا تريدوننا نحن هنا ؟" مما جعل البعض من الساكنة يفترضون أن يكون من بين هؤلاء انفصاليين أو عناصر من بوليساريو الداخل لان السلوكيات والاساليب والعنصرية التي يمارسونها تعطي إشارات قوية في هذا الاتجاه.

 هناك من يدعي تواطؤ السلطات المحلية مع هؤلاء في بعض الحالات خاصة عندما يتم إرغام بعض الضحايا على توقيع تنازلات عن قضايا الضرب أو الجرح الذي يتعرّضون له من طرف هؤلاء الرعاة، إضافة إلى التأخر في الالتحاق بمسارح الاصطدام  في أكثر من حالة، الامر الذي يثير الشكوك في صفوف الساكنة، وكذا فبركة تفاصيل غير صحيحة حسب الساكنة وبعض الضحايا الذين استمعت بيوكرى نيوز لشهادتهم.

ممارسات وسلوكيات المافيا بالمنطقة 
 إضافة إلى ممارسات الرعي الجائر والفتاك، تمتهن هذه المافيات بيع البنزين في السوق السوداء، وخلق صراعات بين أفراد الدوار والعائلات، والتحرش  بالنساء والفتيات، واستغلال ممتلكات جماعية وخاصة, وتصدير الرعب والخوف وألفاظ عنصرية والكلام الفاحش, وعدم احترام الخصوصيات المحلية للمناطق...

من يقف وراء هؤلاء الرعاة ؟ 
سؤال يرافق الظاهرة ويرتبط بها, فالتصرفات والجرأة القوية وعدم الاكتراث لقرارات السلطة قد يكون من ورائه لوبيات كبرى لأصحاب مشاريع ومقاولات في هذا المجال وربما من بينهم شخصيات نافذة في الدولة أو قد يدخل ضمن علاقات تجارية ومالية واستثمارية مع دول أخرى خاصة الخليج مما يطرح اشكالية كيف يمكن احترام القانون من طرف مافيات تخترق الدولة وتشكل جزء منها. 

المجالس المنتخبة في هذه القضية
حسب التقرير والاستطلاع, فرؤساء الجماعات الترابية يقفون على مسافة طويلة من الظاهرة والملف مما يطرح سؤال عن دور المسؤول المنتخب في هذه القضية التي تهم الساكنة.

الإجراءات الحكومية في المسألة 
 تم الترويج في سنة 2015  من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري, وتم بخصوصها عقد لقاء بتزنيت حول مراعي ومحميات رعوية لفائدة الرحل قصد تجميعهم في مناطق معينة بضوابط معروفة تفاديا لإشكالات الاصطدام المتكرر والتوتر مع الساكنة وكانت تيزنيت للتجربة إلا أنه ولحدود الان لم يخرج المشروع إلى حيز الوجود مما يطرح علامات الاستفهام حول مصير هذه المبادرة والغاية منها ومن عطلها ولماذا لم تصر واقعا وحقيقة ؟

  خلاصة 
اذا كان هؤلاء فوق القانون كما يقول الضحايا وساكنة المناطق المتضررة، واذا ثبت بالفعل أن هناك جهات انفصالية تمارس الاستفزاز بصيغة الرعي الجائر, واذا كانت بالفعل الظاهرة تقودها مافيات منتظمة غاياتها تحقيق الأرباح على حساب المواطنين والساكنة فالظاهرة تستدعي حلا عاجلا وبحثا دقيقا تفاديا لما لا تحمد عقباه أمام تنامي الظاهرة وتقليص درجة الصبر والتحمل من طرف الضحايا والمستهدفين من الساكنة .