التحفيز المادي في علاقته مع تحسين خدمات الادارة العمومية

محمد عنو: 

ان التسيير الداخلي للإدارة العمومية يعاني من مجموعة من الاختلالات، مما يجعل المستفيد من خدمات هذه الادارة يلاحظ ضعف التدبير وسوء المعاملة والعرقلة المتعمدة لملفات المواطنين .ويلاحظ المتتبع للشأن الاداري أن التغيير المستمر للأطر والكفاءات لا يجدي نفعا وكأن الظاهرة عبارة عن وباء متفش لا تعالجه الهيكلة البشرية ، بقدر ما توجد أسباب أخرى مسكوت عنها فما هي هذه الاسباب ؟ وهل لها تأثير مباشر على جودة الخدمات داخل الادارة العمومية ؟

أثبتت الدراسات السوسيولوجية والنفسية أن الطبيعة البشرية تتوق دائما للمكافأة والتحفيز والتشجيع المستمر على بذل مجهود مضاعف ، وأكبر مثال على ذلك حين خلق الله تعالى الانسان وأمره باتباع أوامره واجتناب نواهيه ، جعل له في نهاية هذا الالزام جزاءين ، جنة نعيم كمكافأة على اجتهاده ، أو جهنم كعقاب له على أخطائه، ومن ثم فان ثنائية المكافأة والعقاب مع تغليب جانب التحفيز والمكافأة هما سر اجتهاد كل فرد في انجاز أي عمل منوط به على أكمل وجه .

من المؤسف أن نقر بتبني الادارة العمومية للمساطرالجزرية والعقابية في حق موظفيها في حال اخلالهم بمهامهم، في حين تغيب الحوافز والمكافآت بداعي عدم وجود قوانين مؤطرة لهذه العملية ، وواقع الحال يثبت أن الحوافز المالية تتمتع بها فئة دون أخرى داخل الادارة ، مثلا رؤساء المصالح وذلك لسهرهم على فرض الاعمال على من هم تحت سلطتهم ، وحين نقول كلمة فرض تظهر السلطة الجزرية، بكل تجلياتها، وهذه السياسة الاقصائية لمن ينجزون الاعمال فعليا ، أو تلك الشريحة التي لا تحصل على الحوافز، يخلق نوعا من التمييز والإحساس بعدم التقدير، فيصبح هذا الموظف أمام خيارين : انجاز العمل تحت الضغط الممارس عليه ، ومن ثم تفريغ هذا الضغط في المواطن المستفيد من الخدمة، أو التهرب المستمر من المسؤولية وعرقلة العمل بشتى الطرق، انتقاما من رؤسائه وكنتيجة لذلك يتضرر المواطن المستفيد أيضا من سوء الخدمة وتأخيرها .

ومن خلال شهادات ميدانية لأطر ادارية في مختلف الادارات العمومية ، توضح أن مسألة الحوافز تبقى رهينة بالمسؤول الذي يدبر شؤون الادارة، وغالبا أولئك اللذين يحصلون على الحوافز ينقسمون الى قسمين ، رؤساء مصالح ذوو قدرة هائلة على الكلام ومحترفون ديماغوجيا ، أو أولئك اللذين ينقلون أخبار الموظفين مهمة كانت أو بدون أهمية . مما يعني تكريسا متعمدا لسياسة التمييز والإقصاء، وهذا يخلق جوا من العداء بين الموظفين ، ولا يساهم بأي شكل من الاشكال في تطوير العمل والمضي به قدما .

اننا بحاجة ماسة لجعل ذلك الموظف البسيط يشعر بالمسؤولية المنوطة به ،فكما يحاسب عى اخلاله بمهامه، لا بد أن يحفز على بذله لمجهود مضاعف في العمل، لا بد من تحديد أهداف كبرى وربطها بالتحفيزات ، مثلا حين يقدر المعدل الشهري لانجاز الملفات في خمسين ملفا، يمكن الموظف من مكافآت مالية على كل ملف زائد عن هذا المعدل ، وهكدا فتحديد الاهداف سياسة تعمل بها الشركات الانتاجية ، وقد اتت أكلها ، فحققت بها أرباح فوق الذي كانت تتوقعه ، وقد يقول قائل تلك مؤسسات انتاجية لها مداخيل ، وكذلك المؤسسات العمومية فهي غير معزولة عن هذا العالم الاقتصادي، اذ هناك علاقات مباشرة وغير مباشرة ، فالمدارس والجامعات تنتج العقول والموارد البشرية ، والإدارات العمومية تيسر عمل الشركات فحين نحفز ذلك الموظف وتشجعه على انجاز وتتبع ملفاته بكامل المسؤولية تكون قد مكنت المستفيدن من اكتساب الوقت والجهد والمال ليستثمروه في أمور أخرى ، فكم من مشروع كان سيعود على صاحبه وعلى البلاد بالنفع، تم اقباره بسبب العرقلة وتعقيد المساطر، و سوء المعاملة .

لا يمكن تحميل الموظفين داحل الادارات العمومية كامل المسؤولية ، قبل معرفة الكواليس والمشاكل الداخلية التي يعانون منها مما يجعل المواطن بمثابة تلك الشماعة التي تعلق عليها أخطاء الاخرين .

يجب تحفيز الموظفين، خصوصا تلك الفئة التي تتقاضى اجورا زهيدة وتنجز أعمالا مهمة ، لأن النفس البشرية تتوق دائما للمكافأة والهدية ، وان كانت أقل بكثير من الاجر الذي يتقاضاه هذا الشخص فهو يشعر بالأهمية ، ومن ثم يسعى لمضاعفة الجهد وإثارة انتباه رؤسائه في العمل لجديته ومثابرته وتفانيه ، وهذا ما يسمى في ميدان التجارة بسياسة رابح رابح.