لماذا التنافر أكثر من التفاعل ؟

لحسن بنضاوش :

لا أحد ينكر حسن النوايا , ووحدة الهدف في إطار التنمية , والرفع بالمستوى المعيشي لكل فئة إلى مستوى أفضل , والإجماع على الوطنية وحب الخير والرغبة في المساهمة في غد أفضل للوطن عموما وكل في منطقته أو إقليمه بشكل كبير وبرغبة أكيدة . إلا أنه في الواقع نجد التنافر والاصطدام والتناحر أحيانا بين مكونات المجتمع وفصائله من أفراد وجماعات ومؤسسات سياسية وجمعوية , والكل يدعي النقاء والطهور , ويلصق التهم والأخطاء والفضائح بالطرف الآخر , مما يعكس سلبا على التنمية ويضيع المصالح والمكتسابات على الأمة والوطن . وتشخيص المرض , والوقوف على العلة الرئيسية لاستمرار هذا التنافر , أمرا ضروريا للحد منه وربح الرهان التنموي , واستثمار الجهد البشري والعقلي والمالي في التنمية وتخطي الصعاب , بعيدا عن القذف والأحكام الجاهزة وتبرئة الذمام بدعوة لست مسؤولا والأخر هو المسؤول وعليه كامل المسؤولية وله كامل الصلاحية . 

والسبب الرئيسي في هذه النازلة الاجتماعية بالأساس , الأمية في كل شي , فالفاعل السياسي ( لن أعمم لكن الأغلبية الساحقة ) تعيش أمية قانونية في مجال اشتغاله , مما يجعله يخلط الأوراق , ولا يحسن التدبير والتسيير ويضع نفسه في غالب الأحيان في مواقف الشبهات والأخطاء والزلل ويفتح المجال لكل الأعداء والمناوشات وبالتالي الصراع في دائرة فارغة وإفشاء الأسرار وتخطي الخطوط الحمراء لكل فرد والنبش في الحياة الشخصية وتحويل المشكل إلى مشاكل بفروع عميقة ودموية ومؤثرة وسلبية جدا , والفاعل المدني كذلك خاصة الجمعوي بالدرجة الأولى لعدم وعيه بالقوانين المنظمة وماله وما عليه وربط كل شي في التنمية بالآخر دون استحضار دور الفرد المستهدف في معادلة التنمية.

 وهذا ما يفتح أبوابا أخرى من التنافر والتناحر في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بين الأفراد جمعويين أو منتمين سياسيا وممثلين في مراكز القرار وبالمؤسسات المحلية والوطنية منتخبة . وهذا يستدعي ورش جديدا في مجال التكوين المستمر في مجال القانون والقوانين المنظمة ومجال اشتغال كل مؤسسة ودورها وصلاحياتها وأين تنتهي مهمتها , ومواردها المالية والبشرية , وسبل التواصل الايجابي والتفاعل الحقيقي في تحقيق أهداف التنمية . 

وفي هذا مسؤولية الدولة باعتبارها التي تشرع وتصدر القوانين ومطالبة بالتعريف بها وتكوين الجميع بخصوصها ضمانا لتطبيقها على أحسن وجه , وتنزيلها على أرض الواقع بشكل سليم , مع مراعاة التقييم والتعديل عند الضرورة . ثم المؤسسات الحزبية في إطار توعية المناضلين والمناضلات وتكوينهم في مجال الحقوقي والقانوني . وجمعيات المجتمع المدني في إطار التكوين في مجال الاشتغال والترافع , حتى يقوم كل بمهمته وفي أحسن الأحوال . 

هذا سيكون له وقع كبير على المجتمع والتنمية وسيحد من التنافر والتطاحن والتنابز بالألقاب والقذف المباح , والإشهار بالمشاكل والكوارث , بدون مراعاة المسؤول والمعني بالأساس بالمهمة أو القضية . والدولة اليوم في ظل صراع إقليمي وقاري ودولي , لا مجال لتشغيل العقول بالحروب الإعلامية وبالمواقع التواصل الاجتماعية واصطياد الأخطاء والهفوات , بينما نحن جميعا في وضع يستلزم التضحية والمعرفة الحقيقة بالقوانين والحقوق والواجبات حفاظا على استقرارنا المحسودون عليه كما يعلم الجميع .