أية فائدة من تحليل تجربة الجماعة الحضرية ببيوكرى؟

 رشيد باحموش

إن الجدوى من أي تحليل موضوعي لا يكمن في إصدار الأحكام على الأشخاص بل بالوقوف على نقاط القوة و الضعف بغية اتخاذ قرارات سليمة عن بينة و اختيار، وألفت انتباه القراء إلى أن هاته المساهمة المتواضعة لا تستهدف تحليل و تقييم تجربة الجماعة الحضرية لبيوكرى في تدبيرها للمدينة لان هاته المهمة تتطلب أولا معرفة الأسس التي ينبني عليها الخطاب لدى هذه السلطة المنتخبة أو بعبارة أخرى طريقة التدبير المتبعة من طرفها إن كانت ملتزمة بمفاهيم جديدة اكتسبت قيمة دستورية كالتنمية المستدامة استوجبت تبعا لذلك إدماجها في مخططات التنمية الجماعية .

في سياق آخر دوليا يتم الحديث بغزارة عن المذكرة المحلية 21 (Agenda local 21) و الدور المجتمعي و البيئي للتنظيمات و (ISO 26000) نتساءل ادا إن كانت الجماعة الحضرية لبيوكرى قادرة على تقريب هدا المنهج الجديد في التدبير مع الواقع المعيش للساكنة ؟ في الحقيقة نحن ملزمون بقبول مجموعة من المؤشرات التي تدل على صعوبة اقتناع السلطة المنتخبة بهاته المفاهيم الجديدة و نخص بالذكر :

أولا غياب التفاعل والنشر الدائم في الموقع الرسمي للجماعة الحضرية لبيوكرى والذي اطلق مؤخرا على شبكة الانترنيت قصد إخبار الساكنة بالصفقات في إطار من الشفافية و الوضوح (على شاكلة تجربة بلدية ايت باها التي تعتبر ناجحة في التواصل).

 ثانيا عدم التجاوب مع الإعلام بشتى أنواعه بشكل دوري.

 ثالثا عدم إشراك الجمعيات المحلية بصفة مستمرة في اتخاذ القرارات، كما الفت نظر القراء الأفاضل مرة اخرى في سياق إخبار الساكنة بزيارة عمل لرئيس جماعة بيوكرى نهاية 2014 للجمهورية البولندية قصد عقد توأمة و هنا نود أن نعرف ما هي القيمة المضافة لتلك الزيارة ؟

يكشف الجرد التاريخي للقرارات (analyse rétrospective) المتخذة على مستوى جماعة بيوكرى ارتجالية و تخبط واضحين يتمثلان غالبا في البدء بالعمل في أشباه مشاريع و بعدها توقف أو لا تكتمل و إن راءت النور فلا تشرف بيوكرى كمدينة (المركب التجاري الشطر الأول و ملعب 20 غشت دو المدرج الوحيد و في غياب تام للعشب و سوء التدبير للقاعة المغطاة و مشاكل السوق الأسبوعي التي لا تنتهي ...) هذه المشاريع لم تراعى فيها الضوابط المهنية اقصد المعايير الهندسية و التدابير الوقائية في حالة حدوث كوارث (حالة الحريق في المركب التجاري) و حالة الفيضانات في السوق الأسبوعي و هدا واضح للعيان.

كما لا يتطلب الأمر القيام بمجهود كبير لفهم الدور المجتمعي و البيئي بالجماعة الحضرية لبيوكرى فيكفي القيام بأمرين  وهما: أولا التسكع بأزقة المدينة و أحيائها الهشة القريبة ليتضح لكم حجم الفقر و الهشاشة الذي تعانيه الساكنة و المدينة على السواء، ثانيا الرجوع الى الخصائص المتعارف عليها دوليا تلك التي تساعد على جعل المدينة وسط حضاري ينعم فيه الانسان بالعيش الكريم .و نرى من الواجب تذكير المسؤولين بها و هي كتالي : تعدد مواقف السيارات و مسارات الدراجات ; فضاءات خضراء ,تنوع مرافق القرب ,تنوع الأنشطة الثقافية مرافق أساسية جيدة مستوى التشغيل مرتفع بنية جديدة للرياضة و المواهب و شبكة النقل الفعالة .

بعد هذا الجرد المقتضب نحن ملزمون بقبول حقيقة انه لا مجال للقياس و لا المقارنة و لا الإسقاط مع نموذج المدينة الحديثة فما بالك بالمدينة الذكية لأننا في هده المدينة لا نشهد لا فضاءات خضراء حقيقية و لا جودة في الخدمات المقدمة من المرافق الأساسية و لا بنيات تحتية متينة لمزاولة الرياضة و الأنشطة الأخرى و اللائحة طويلة.

في نهاية المطاف ما نشهده هو أننا نشهد أننا لا نشهد شيئا يستحق التنويه و ينسجم مع تصور مفهوم جودة الحياة في المدينة
 (qualité de la vie )  .

يجب الاعتراف أن مدينة بيوكرى هي الأضعف في شتى المجالات مقارنة مع باقي مدن الجهة هنا أود أن أشير إلى مفارقة غريبة كدلك حيث أن جهة سوس ماسة تحتل المرتبة الثانية من جانب المداخيل الضريبية بعد جهة الدار البيضاء .إلا أن معدل الفقر يصل فيها إلى 25 في المائة يعني ربع ساكنة هده الجهة تعيش بأقل من 10 دراهم للفرد .

إن الوضع الكارثي إلذي نحياه اليوم هو نتاج أنماط تسيير تقليدية يطغى عليها منطق السوق و الفكر السوقي فهي بعيدة كل البعد عن القيم التي تؤسس للمرفق العام فالجماعة الحضرية مال عام محلي فالساكنة من حقها ان تقتسم اهتمامها بالمدينة مع من انتخبوهم (intérêt partagé ) .فلا يعقل أن تكون بنية التسيير ناتجة عن القطاع الخاص لان هناك أبعاد اقتصادية اجتماعية بيئية متداخلة وجب مراعاتها لكي نضمن فائدة أنية و مستقبلية من مسؤولي هاته الجماعة الحضرية .

شخصيا لا أرى أية فائدة من تقييم هده التجربة كما لست متفائلا بمستقبل مشرق لمدينة بيوكرى لان ذلك يستلزم ثورة في العقليات أما الرهان على هذا النوع من الاستثمار و ما يدور في فلكه لتحقيق التنمية هو من قبيل أحلام اليقظة لأنه من السهل على هؤلاء الفوز لكن من الصعب عليهم أن يفوزوا دون أن يكون دلك على حساب الآخرين بما فيهم الطبقة المسحوقة و المهضومة الحقوق اعني بدلك الحماية القانونية للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الهدف هو الانخراط الفعلي للمحرومين و المقصيين في التنمية المستدامة. 

أما من جهة المقاربة الاحسانية المتبعة (الصدقة و الشفقة ) شخصيا لست متحمسا لها لأنها تمارس من منطلق الإحساس بالعظمة و منهم من يستغلونها لقضاء أغراض ميركانتيلية محضة .أما بخصوص معالجة الفقر نرى انه من الأجدر منح هؤلاء الفقراء شيكات اجتماعية حتى تضمن لهم القدرة الشرائية تقيهم ويلات الحرمان و التسول و التهميش الخ .و هنا أراهن لانقاد ما يمكن إنقاذه على سياسة مندمجة للمدينة في ميدان التشغيل و محاربة الفقر حتى نصل للسلم الاجتماعي الذي يعتبر ركيزة من ركائز التنمية المستدامة . 
و في الختام نناشد كافة فعاليات المدينة و الضمائر الحية أن يتأملوا في هده الظروف العصيبة و التخريجة الأخيرة للرئيس مفادها مصادقة المجلس بالأغلبية المطلقة كي لا نقول بالإجماع على شراء سيارة فارهة له و لكم واسع النظر في الترشيد.