خواطر طقوس الحصاد أو "تِـويزي"

عبد الله آيت سي: 

طقوس الحصاد في الجبال و القرى يا عزيزتي ليست فقط لحظة عابرة, فالباحثين في تاريخ الأعراف كقانون بحد ذاته و كمصدر من مصادر الهوية لدى السكان أو الفلاحين الامازيغ سيعرف جيدا أن تمكرا tamgra كأول خطوة في موسم الحصاد لابد له أن يقف عند تويزي الأمازيغية حيث تشكل أهم ركن من أركان المجتمع الامازيغي و الصاربة بجذورها عبر التاريخ في أي مكان تتواجد بها الأرض و الإنسان, إنها بكل بساطة تعني أحد أهم ميزة التعاون في خدمة الأرض و الإنسان, فالساكنة تقسم قوة عملها حسب الأسر و حسب الأرض ,فالرجال يتكلفون بالحرث و النساء بجمع المحصول ليتعاون الاثنان في الحصاد.

ما يهمني إبراز دور المرأة القروية بطريقة حكي أكثر مما هي طريقة دراسة. غالبا ما تستيقظ النساء القرويات مع الفجر حيث شهر أبريل يطل على جبال البادية بضبابه الكثيف في الصباح الباكر و مع بداية النهار تطل الشمس بحرارتها, لذلك تختار النساء فترة ما بين السادسة و العاشرة صباحا لجمع المحصول, من عاش هذه اللوحة الفنية التي ترسمها ألايادي الطيبة للنساء الكادحات و للامهات سيخلدها في ذاكرته, فكل النساء يقمن بعملهن في تناسق و رشاقة استثنائية تشبه العزف على الة موسيقية.

ذلك الصوت الذي تصدره السنابل التي يتم قطفها بعناية تامة و بحرص شديد على عدم ضياع الزرع سيعرف ما معنى عشق الأرض, مع تلاشي الضباب تكون تويزي قد قطعت شوطا كبيرا في إتجاه حسم المكان, لتطل علينا القائدة آلتي غالبا ما تكون امرأة تتميز بالخبرة و التجربة و أهم شيء بالحنان, تطل لتطلب استراحة المحاربات لفطور غالبا ما يكون ممزوجا باهازيج محلية ضارية في عمق الثقافة و الهوية.

لقد مرت الأزمنة الكثيرة و تغير الكثير اليوم لكن تظل المرأة الأمازيغية القروية بالأساس متشبة بهذا العرف و رغم سيطرة نوع من الأنانية و الذاتية اليوم الا أن في المناطق الجبلية مازالت النساء هناك سيدات حب السنابل كيف لا و اياديهن من ترعاها من بدايتها الى أن تصبح رغيفا كريما كرامة عرق جبينهن, قد يعتقد الكثيرين أن النساء لا تهتم للارض, لكن على العكس فالغضب الذي يسيطر على الكادحات حينما تغضب الطبيعة يكون قويا و ترى ذلك في ملامح وجوههن الصامدة في وجه كل رياح التهميش و طمس الهوية التي استمرت هنا لعقود.

ان موسم الحصاد يا عزيزتي هنا بمثابة عرس بل هو عرس الموسم، به تستمر الحياة هنا في فرز مزيد من العشق و الحب تغطي به أجيال كبروا هنا بالرغيف الممزوج بتاريخ من الصمود و التشبت بالأرض ليس وسيلة بل غاية في حد ذاتها و لهذا أقول دائما أن أولئك الذين يخدمون الأرض هم أكثر العشاق لها هم من يحبونها هم ببساطة الفلاحين الفقراء و النساء القرويات الجميلات الكادحات الأمهات, في أبريل رائحة الأرض بسنابلها الصفراء تبدو ضاربة في جذور الإنسان هنا في قدسية المصير, لهذا غالبا ما نجد النساء هنا يتبادلن الكثير من الحكايات الجميلة بخصوص مواسم الصابة.

لا تتسع الكتابة لاحاطة بالصورة الحقيقية فالأمر يقتضي أن يعاش في لحظته الانية و هي قمة من الانبهار, لتلك القرويات أقول أننا مازلنا نحافظ على جاكيطنا البالي من اجلهن و من أجل الهوية و الحلم الأبدي بأن الأرض لمن يحرثها و بأن الصراع مازال مستمرا.