الاتحاديون ونزعة التدمير الذاتي باسم التغيير وحرية التعبير

بقلم محمد إنفي :

لا أعتقد أن هناك حزب مغربي، سواء في اليسار أو في اليمين، يفوق الاتحاد الاشتراكي في حرية التعبير وفي حدة النقاش والتعبير عن الاختلاف والخلاف داخل تنظيماته وهياكله (وحتى خارجها)، سواء الوطنية منها أو المحلية. بل، يمكن القول بأن هذه الحرية تتحول، في كثير من الأحيان، إلى التطاول وإساءة الأدب مع الأشخاص ومع المؤسسات. 

فكم من مرة، يكون الاتحاديون والاتحاديات، في اجتماعات أجهزتهم الوطنية، مضطرين لتحمل تدخلات بعض الأشخاص الذين لا يتقيدون، باسم حرية التعبير، لا بالمساطر ولا بالوقت المحدد للتدخلات ولا بأدب النقاش والحوار، رغم تدخل رئاسة الجلسة أو تدخل بعض الأعضاء في إطار نقط نظام لإيقاف هذا العبث الذي يضيع على الجميع الكثير من الوقت والحق في التدخل (أتذكر أن أحدهم استغرق 45 دقيقة في تدخله). وكم من واحد من هذا الصنف تجده مصرا على التدخل في بداية النقاش (أي بعد عرض المكتب السياسي) لينصرف، بعد ذلك، دون احترام لا لرئاسة الجلسة ولا للحاضرين في الاجتماع (اللجنة الإدارية أو المجلس الوطني) ولا لزملائه من المتدخلين من بعده في النقاش؛ وكأنه مكلف فقط بتبليغ رسالة (أو رسائل) إلى الحاضرين؛ ولا يعنيه، بعد ذلك، ما سيدور في الاجتماع.

ولذلك، فإني أنظر، شخصيا، بكثير من الريبة إلى كل الدفوعات التي تتخذ شعار "حرية التعبير" مطية لتبرير الزوبعة التي أحدثها "بلاغ العشرة" الشهير وتحركاتهم الموالية؛ ذلك أن حرية التعبير كانت ولا زالت ( وستبقى دوما السمة المميزة للمدرسة الاتحادية) مضمونة داخل حزب القوات الشعبية. والواقع أن التذرع بهذا المبدأ (حرية التعبير والحق في الاختلاف) فيه إخفاء بين وواضح للأسباب الحقيقية التي تقف وراء "تمرد" أعضاء المكتب السياسي العشرة. 

ويتضح، من خلال صياغة البلاغ، أن الموقعين عليه مستحضرون جيدا لهذه الحقيقية (إخفاء الأسباب الحقيقية)؛ ولذلك، فقد لجئوا إلى التمويه حين توجهوا بخطابهم إلى مناضلي ومناضلات الحزب ليقتسموا معهم، حسب البلاغ، "الشعور بالقلق والخيبة تجاه مسلسل التراجع السياسي والتمثيلي والمجتمعي لحزبنا، والذي يستدعي منا نقاشا مسؤولا مبنيا على مبدأ ربط المسؤولية بالحاسبة"(كذا). 

بالطبع، المقصود بالمناضلين والمناضلات كل الاتحاديين والاتحاديات (والأمر ليس بريئا مطلقا)، باستثناء أعضاء اللجنة الإدارية والمجلس الوطني، بمن فيهم أعضاء المكتب السياسي، الذين صادقوا وبالإجماع على مشاريع التقارير التي ستقدم للمؤتمر الوطني العاشر، بعد أن تتم دراستها على مستوى الأقاليم والفروع وإبداء الملاحظات والآراء حولها. فهم يتوجهون، إذن، إلى الاتحاديات والاتحاديين الذين لم يطلعوا بعد على هذه المشاريع من أجل دغدغة عواطفهم ببعض الشعارات لكسبهم بالتضليل وادعاء الغيرة على مستقبل الحزب. أما فيما يخص مبدأ ربط المسؤولية بالحاسبة، فهم أول من يتنصل منه بهذا البلاغ في محاولة بئيسة لتبرئة أنفسهم من كل مسؤولية عما عشناه جميعا من خيبة أمل في الانتخابات الجماعية والجهوية وفي الانتخابات التشريعية. 

ومما يزكي هذه القراءة التي حاولت أن تُبرز جانبا من البعد التضليلي لبلاغ الدار البيضاء ما جاء في إحدى فقراته على لسان الموقعين : "إدراكهم بأن المنهجية التي اعتمدت في التحضير للمؤتمر العاشر لا تستجيب لتطلعات الاتحاديين والاتحاديات في جعل المؤتمر محطة لتقويم الاختلالات العميقة التي تعيق انبعاث الفكرة والأداة الحزبيتين الكفيلتين بردم الهوة التي تفصل الحزب عن المجتمع". 

وهنا، أتساءل ما ذا سيكون موقف الاتحاديات والاتحاديين عندما يعرفون بأن هذا الكلام صادر عن أناس صادقوا على منهجية تحضير المؤتمر ووافقوا دون تحفظ على مشاريع التقارير التي هيئتها اللجنة التحضيرية (وهم جزء منها)؟ أليس من حقهم أن يتساءلوا: ولماذا لم ير هؤلاء كل هذا إلا بعد معرفة الأسماء الاتحادية المشاركة في الحكومة؟ وما مصدر الغشاوة التي كانت على بصرهم وعلى بصيرتهم؟ 

على كل، يبدو أن قدر الاتحاد الاشتراكي أن يدمره أبناؤه تحت مسميات مغرية (التغيير، التصحيح، حرية التعبير، الحق في الاختلاف...) لكنها، في واقع الأمر، هي غطاء لممارسات تهدم أكثر مما تبني. ولنا في تاريخ الاتحاد ما يكفي من الأمثلة لأخذ العبرة (إن كانت هناك نية للاستفادة من دروس التاريخ وعبره). فكل المجموعات التي خرجت من الاتحاد وأسست لها أحزابا أو حاولت ذلك، رفعت شعار التصحيح وأطلقت على نفسها اسم الحركة التصحيحية (أو الحركة الاتحادية الأصيلة) ومنَّت النفس بأن تكون بديلا عن الاتحاد الاشتراكي؛ والباقي معروف، بما في ذلك الخدمة المقدمة (مجانا؟) لخصوم الاتحاد من خلال إضعافه بتفتيت قواه وتمزيق صفوفه.

لكن، يبدو أن نزعة "التمرد"، شأنها شأن الحقد، تعمي البصيرة وتجعل الاستفادة من دروس التاريخ ومن مآل المتمردين السابقين غير مستحضرة وغير ممكنة؛ وإلا فإن المصير السياسي للأخ الأموي (وما أدراك ما الأموي قبل أن ينزل من سفينة الاتحاد ويركب قاربا صغيرا لم يذهب به بعيدا !!!) وأتباعه وكذا مآل "تيار" المرحوم أحمد الزيدي وبديل رفاقه، كفيلان بتلقين الدرس الضروري والمفيد لكل ذي طموح جامح أو أنانية مفرطة. 

وبالنسبة للأزمة المفتعلة حاليا داخل الاتحاد الاشتراكي، فلن يستطيع أحد أن يقنعني بأن سبب ذلك هو الغيرة على الحزب أو مصلحته أو وحدته أو تاريخه أو غير ذلك من الشعارات. كما لن يقنعني أحد بأن الهدف من هذه الزوبعة هو الحرص على التحضير الجيد للمؤتمر المقبل (المؤتمر الوطني العاشر).

شخصيا، كنت سأصفق لأصحاب بلاغ الدار البيضاء لو أنهم فكروا فيه قبلا وصاغوه ثم وزعوه خلال اجتماع اللجنة التحضيرية ببوزنيقة يوم فاتح أبريل 2017 أو قبل انعقاد اللجنة الإدارية الوطنية والمجلس الوطني مساء نفس اليوم. وكنت سأصدق ما جاء في بلاغ تاسع أبريل لو أن الموقعين عليه، كانوا، على الأقل، قد بلوروا موقفا مخالفا لما ساد في الاجتماعات المذكورة وعبروا عنه في تدخلاتهم، سواء خلال اجتماع اللجنة التحضيرية أو اجتماع اللجنة الإدارية والمجلس الوطني.

لكن أن يباركوا كل القرارات ويصادقوا على كل المشاريع (وتصريحات الثناء على ما أُنجز وقُرِّر في ذلك اليوم موجودة بـ"اليوتوب")، ويتم الانقلاب على كل ذلك بمجرد ما ظهرت التشكيلة الحكومية وعُرفت الأسماء الاتحادية المشاركة فيها، فهذا ما لا يمكن هضمه أو قبوله بسهولة. 

وشخصيا، لم أتمالك نفسي أمام هذا التحول المفاجئ وكان لي رد فعل مباشر- وصفه بعض الأصدقاء بالعنيف في لغته؛ وقد قدمت اعتذارا (احتراما وتقديرا لهم واعتبارا لحبل الود والاحترام المتبادل مع أغلب الموقعين على بلاغ الدار البيضاء) عن ذاك العنف اللفظي؛ وذلك من خلال تدوينة بالفايسبوك وتغريدة في صفحتي على موقع "إكسير"- أثرت فيه (أي في رد الفعل) سؤال المصداقية لدى الموقعين على البلاغ. وهو سؤال لا يزال مطروحا وبحدة، خاصة بعد اجتماع كلميم؛ إذ يجب أن يكون المرء على درجة متقدمة من الغباء حتى يصدق بأن مثل هذا العمل يدخل في الحرص على وحدة الحزب والحفاظ عليها. 

وتحضرني، هنا، رغم اختلاف السياق والدوافع، الصرخة التي أطلقها الأخ عبد الواحد الراضي، الكاتب الأول السابق، حول النزوع الجماعي لدى الاتحاديين إلى الانتحار السياسي. وقد أطلق هذه الصرخة في اجتماع المجلس الوطني المنعقد (إن لم تخني الذاكرة) قبل تكوين اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني التاسع.

وبعد المجهود التحضيري المتميز وغير المسبوق ونجاح التمرين الديمقراطي الذي عرفه المؤتمر الوطني التاسع، خرج من داخلنا من كرس جهده للتشويش على ذلك النجاح والاجتهاد في تحويله إلى فشل، ثم السعي إلى تأسيس بديل عن الاتحاد الاشتراكي. فكيف يمكن، إذن، ألا يقلق المرء على مصير حزبه (وهو في أوج التحضير للمؤتمر الوطني العاشر) بسبب التحول المفاجئ في المواقف لدى أصحاب بلاغ الدار البيضاء؟ 

ويجب أن نسجل في حق القيادة المنبثقة عن المؤتمر الوطني التاسع، أنها استطاعت - رغم كل الضربات الداخلية (والتي ركبت عليها الأقلام المشبوهة والألسنة المريضة لنفث سمومها وتصفية حساباتها مع الأشخاص ومع الاتحاد الذي يشكل لها غصة في الحلق)- القيام بمجهودات كبيرة من أجل إعادة البناء واستعادة المبادرة؛ إذ باستثناء ثلاثة أو أربعة أعضاء من القيادة (المشكلة من حوالي 30 عضوا)، الذين لم يستطيعوا مسايرة إيقاع العمل، إما كسلا أو تخاذلا أو لأسباب أخرى لا يعلمها إلا أصحابها، انخرط الباقي في عملية البناء وإعادة البناء، كل حسب قدراته وحسب ظروفه الشخصية والمهنية.

لم يكن هينا ولا بسيطا ما قاموا به تنظيميا وإشعاعيا. لقد قامت القيادة الحالية بعمل تنظيمي غير مسبوق، يتمثل في انعقاد أكثر من سبعين مؤتمرا إقليميا (وعدد مهم من المؤتمرات القطاعية). وللإنصاف، فحسب التغطية الإعلامية الحزبية المواكبة لهذه المؤتمرات، لم يتغيب الكاتب الأول للحزب، الأخ إدريس لشكر، إلا عن عدد قليل منها (لا شك لعذر قاهر) والتي كان يحج إليها، برفقته، وفد هام من المكتب السياسي. 

ولم يكن العمل الإشعاعي أقل شئنا من العمل التنظيمي. لا أحتاج أن أذكر باللقاء الوطني بمركب مولاي عبد الله بالرباط تحت شعار "ضد الابتزاز السياسي والتفقير الاجتماعي". كما لا أحتاج التذكير بمسيرة الرباط بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. وإن نسيت، فلن أنس المبادرة المتخذة تجاه الجبهة الاجتماعية. لقد كان من ثمرات الزيارة التي قامت بها القيادة المنبثقة عن المؤتمر الوطني التاسع لقيادة الاتحاد المغربي للشغل والمركزيات النقابية الأخرى توحيد الجبهة النقابية وقيامها بنضالات مشتركة (مسيرات، إضرابات، الخ). بالإضافة إلى هذا العمل الإشعاعي الوطني، يسجل للأجهزة المحلية والإقليمية انخراطها في هذه الدينامية. وغالبا ما كان يؤطر أنشطها أعضاء من المكتب السياسي. 

ولم يكن الجانب التكويني والثقافي في أجندة القيادة الحالية منسيا أو مهملا. بل، بالعكس، لقد كان حاضرا وبقوة.وهكذا، عرف المقر المركزي بالرباط نشاطا ثقافيا غير مسبوق (ندوات، محاضرات، لقاءات تكوينية...). كما عملت هذه القيادة على تأسيس مؤسسة المشروع للتفكير والتكوين. ومن أعمال هذه المؤسسة إحياء مجلة المشروع (التي كان يصدرها الحزب)؛ وذلك بإصدار العدد 11 منها تحت عنوان "اليسار في المغرب" (مارس 2016). ومنها، أيضا، عقد ندوة حول موضوع "في ضرورة اليسار" يوم 26 مارس 2016، بالإضافة إلى برنامج "مؤانسات فكرية"، الذي استضاف قيادات سياسية وفعاليات فكرية وفنية خلال شهر رمضان من نفس السنة. 

صحيح أن كل هذا الزخم من العمل التنظيمي والإشعاعي، لم يظهر له أثر في الأصوات المحصل عليها في الانتخابات التي أشرفت عليها القيادة الحالية، الوطنية منها والجهوية والإقليمية. ولذلك، فإن المحاسبة، يجب أن تنسحب على هذه المستويات الثلاث وتنصبَّ على ما هو مشترك بين كل الأجهزة وما هو خاص بكل جهاز على حدة؛ وإلا أصبح مبدأ ربط المسؤولية بالحاسبة مجرد وسيلة للابتزاز وآلة لتصفية الحسابات. 

ويبدو أن هذا ما هو حاصل الآن من خلال التركيز على الكاتب الأول؛ إذ بين عشية وضحاها، اكتشف الموقعون على بلاغ الدار البيضاء أن التسيير فردي وتسبب في "نفور العديد من المناضلات والمناضلين، وتحجيم حضور الحزب في مختلف المستويات التمثيلية والتدبيرية وتبخيس صورته لدى المجتمع".

وأعتقد أنهم تصرفوا ببلادة، إن كان الهدف الآني من تحركاتهم هو قطع الطريق، انتقاما، أمام إدريس لشكر حتى لا يظفر بولاية ثانية على رأس الحزب؛ رغم أنه غير معروف إن كان ينوي الترشيح أم لا. لقد كشفوا أوراقهم قبل الأوان. فالترشيح للكتابة الأولى لم يفتح بعد؛. وحق الترشيح، حين يحل موعده، مكفول لكل من تتوفر فيه الشروط. ويبدو أن صدمة عدم الاستوزار هي التي، من جهة، عجلت بكشف أوراق الموقعين على بلاغ الدار البيضاء، سواء منهم الذين كانوا ينتظرون المنصب الوزاري أو أصدقائهم الذين كانوا يستعدون لمشاركتهم الفرحة بالمنصب؛ ومن جهة أخرى، جعلتهم تلك الصدمة كمن شُل تفكيره، فراحوا يخبطون خبط عشواء، قولا وعملا.

وبكل صدق، أشعر، شخصيا وبعمق، بالخجل مكان بعض الموقعين على بلاغ البيضاء. وأحتفظ لنفسي بالسبب أو الأسباب الداعية لهذا الخجل.