التصوف والأمن الروحي

الحسن بنضاوش

حسب ما جاءت به كتب تاريخية وأخرى في أخبار الأمصار والأفراد من أهل العلم وعموم العباد , التصوف له تاريخ قديم وعريق ومتجذر بشمال افريقيا , نابع من علاقة الإنسان بهذه البقعة من الأرض بالسماء قبل الإسلام وبعده في إطار علاقة إخلاص ورابط قوي , يعتبر الدين لتزكية النفس والسمو بها إلى المراتب العليا حتى تصير لدنيا قيمة تافهة لا تستحق القتال أو الصدام أو الصراع , احتراما للقاعدة التي تقول كلنا إلى القبر والى التراب .

وبالمنطقة الجبلية بأدرار , تجد التصوف التربة الخصبة , والفضاء الروحاني بامتياز , انطلاقا من وجود زوايا تصوفية تنشر الطرق الصوفية من الناصرية إلى الدرقاوية والبوتشيشية كذلك ومنها ما يجمعها على أنها كلها إلى تزكية النفس وتنقيتها من بقايا مخلفات الشيطان وأنصاره .

وبما أنا من المناطق التي يختارها أهل التصوف تكون عادة مناطق جبلية وبعيدة عن المدينة وضجيجها وأهلها وحر كياتها , فان أدرا يوفر هذه الإمكانية بشكل كبير , ويقدم هذه الخدمة , إضافة إلى الهدوء وبساطة العيش والاكتفاء بما ينبت من الارض وما يأتي من عرق الجبين ومن الزكاة .

لهذا كانت للأسر الدينية الاستقرار النهائي والتام بهذه المناطق , والتزاوج والتطور ونشأة العائلات في علاقة احترام وتقدير مع الساكنة والأهل والجيران قبائل وأسر وعائلات وأفخاذ .

وعلى هذا الأساس كان لأقطاب التصوف الزمان الكافي لتدبير شؤون الزوايا وتطويرها ومعها الطرق الصوفية وتوسيع دائرة المريدين من الذكور والإناث ومن مختلف الأعمار , وبعدها صارت للزوايا الامتداد المؤسساتي وأحداث مواسم ولقاءات سنوية تعرف حضورا كبيرا من الجمهور وتمر في أمن وسلام , في جو روحاني رباني يصعب فك طلاسمه .

وفي قراءة سريعة لدور الزوايا والمدارس العتيقة وأهل التصوف أفرادا وجماعات في مناطق أدرار خصوصا وسوس عامة , نجد الآمن الروحي والمحافظة على الاستقرار والتفكير في مستقبل البلاد والعباد بشكل جماعي وبدون أنانية أو عنصرية رغم اختلاف مستوى العيش وصعوبة الظروف أحيانا وفي ظل السير البطي لقطار التنمية بهذه المناطق .

والوقاية من توغل الحركات الإسلامية التي تختلف مع الإسلام المعتدل ( النموذج المغربي) قواعدا وأفكارا , والتي تحاول النمو على حساب خلوة التصوف وعزلة أهلها , وعدم توفر على الوسائل اللوجستيكية المادية والمعنوية .

والدولة في الاونة الأخيرة وبعد أحداث ارهابية , وما تصل اليه مصالح الآمن من تفكيكات للخلايا الإرهابية الخطيرة في مختلف المناطق , أخذت ترد الاعتبار للتصوف وتهتم به لتمكينه من التصدي الحقيقي للتطرف الديني .

وخلاصة القول في التصوف أمن روحي وإنساني , يجب اعتماده في المدارس للرقي بالطفل المغربي , وتمكينه من الإسلام الحقيقي بدون رواسب قد تجعله قنابل مؤقوتة في يوم من الأيام .