حكومة لا لا تاعلات : الحاجة إلى إسلام أمازيغي

بقلم ذ. عبد الله بوشطارت

لو افترضنا أننا نعيش في زمن الحوليات، اي في العهد الذي يكتب فيه التاريخ عبر ذكر الأحداث التي مرت كل سنة، ولا أقصد بالطبع حوليات "لوسيان فيفير" و "مارك بلوخ". لو افترضنا ذلك، سيكتب المؤرخون ان السيد عبدالإله بنكيران المكلف بتشكيل الحكومة المغربية تم اعفاءه من قبل الملك ليلة ذكرى موسم لا لا تاعلات بسوس، باعتباره الحدث الأبرز في البلد، لأنه أكبر محج يجتمع فيه حافظي القرآن وجمهور عظيم من الفقهاء والعلماء وعموم الناس. وقبل نهاية الذكرى السنوية لللالا تاعلات، اي يوم الدعاء، تم تكليف الرجل الثاني في الحزب الإسلامي السيد سعدالدين العثماني إبن منطقة سوس بتشكيل الحكومة.

من لم يهتم بتاريخ المغرب، وخاصة سيرورة تشكل الدولة/المخزن، وأهمية المقدس والعامل الديني في بنية التحول وفي المشروعية السياسية للأنظمة/الأسر الحاكمة، سيبدو له أننا بصدد فدلكة كلام لا معنى له، ولن يفهم ربطنا مسألة تشكيل الحكومة بزعامة حزب الإخوان المسلمين بموسم لا لا تاعلات، ولابد له ان يبذل المزيد من الجهد لقراءة التاريخ وفهم بنية المخزن في الزمن الطويل على الأقل منذ العهد المرابطي إلى الآن. 

هل المخزن اليوم يتصارع مع حركات الإسلام السياسي،؟ الجواب هو نعم، ولا نحتاج إلى الشرح الكثير والحديث الطويل في هذه النقطة، لأن المخزن وكل الحركات الإسلامية والتنظيمات الإخوانية/ الدعوية/السلفية كلهم يتصارعون على نفس المشروعية الدينية.
الزاوية بالامس هي الحزب اليوم، بمعنى وبشكل تقريبي يمكن اعتبار ان الأحزاب الدينية التي تشتغل في النسق السياسي المعاصر ما هي الا آليات جديدة للاشتغال والتنظيم السياسي والتعبئة الجماهيرية للوصول إلى الحكم، فحتى الخطاب الإصلاحي والدعوي الذي تحمله هذه الأحزاب هو نفسه الذي كان تحمله بعض الزوايا التي كانت تتصارع مع المخزن. 

وما دام أننا نعيش صحوة الإخوان المسلمين في جل البلدان الإسلامية، وأضحت حكومات الإخوان شر لا بد منه، فإن حكم حزب العدالة والتنمية لمدة خمس سنوات، واكتساحه نتائج الانتخابات في ثلاث محطات منذ سنة 2011 إلى سنة 2016، يحثم على الجميع طرح اسءلة واقعية لانقاذ ما يمكن انقاذه، وانطلاق التفكير الجدي في ممكنات تجنب المغرب لللأحادية الحزبية والهيمنة الإخوانية على شاكلة الاستبداد الاردوكاني المخدوم تحت جاذبية شعار العدالة والتنمية. فالمغرب المعروف تاريخيا بشخصية الغرب الإسلامي المختلفة كليا عن المشرق ومآسيه وتطاحناته...لن يكون مرتعا مهيمنا عليه من طرف فرسان الإخوان، ولن يكون مضخة لضخ الاودلوجة الوهابية، وتحت سيطرة الحزب الديني الوحيد.

للمغرب بديله، للمغرب طريقه، للمغرب علماءه، للمغرب أوليائه...البديل هو الإسلام المغربي الأمازيغي الذي تم بناءه ما يزيد عن 12 قرن، ومازال في البناء المستمر. فاستبدال ابن كيران بالعثماني ليس هو تغيير شخص بشخص او كما يقال في الجرائد والصحف من كلام للاستهلاك الإعلامي اليومي، وإنما بالنسبة إلي شخصيا كباحث في التاريخ، هو تغيير جدري وهو حدث مهم ومهيكل سيكون له مابعده، سواء توفق السيد العثماني في تشكيل الحكومة من عدمه، فإن هذا التغيير سيؤثر وسيغير في ميكانيزم الاشتغال داخل الحزب وكذلك في طريقة التعامل معه. وهذا ما يستشف من الرسالة التي حملها العثماني من الملك إلى أتباع الحزب من رغبة المؤسسة الملكية في الاشتغال مع الحزب.

ولكن اي حزب ؟ بالتأكيد هو حزب العثماني. فمن هو العثماني؟

العثماني الذي أعرفه ويعرفه الذين كلفوه هو ابن الفقيه المرحوم امحمد العثماني توفي سنة 1984، الذي ألف كتاب عبارة عن أطروحة جامعية فيها عمل وبحث السنوات، تحت عنوان " ألواح جزولة والتشريع الإسلامي "في هذا الكتاب القيم يقدم والد سعدالدين العثماني معلومات قيمة عن الأعراف الامازيغية في سوس، وشرح مفصل ووافي في العلاقة بين اللغة الامازيغية والعربية، باختصار مفيد الكتاب يقدم فيه الشيخ العثماني مرافعة قوية عن الإسلام الأمازيغي. نشير أيضا إلى ان والد سعد الدين العثماني كان تلميذا للشيخ الجليل والقطب الكبير سيدي الحاج الحبيب التانالتي التحق به وهو في 15 من عمره ومكث عنده مايقارب 16 سنة، في مدرسته بتانالت نايت صواب..وحين تخرج العثماني الأب من تانالت بقي على علاقة وطيدة ومستمرة مع شيخه سيدي الحاج الحبيب إلى حين وفاته سنة 77. ولزم علينا ان نشير إلى ان العثماني الأب كان يذيع برنامجا أسبوعيا على الإذاعة الامازيغية بتاشلحيت يشرح فيه قضايا في الإفتاء الديني ومعالم من تاريخ سوس...وحتى حين انظم سعدالدين العثماني إلى جمعيات وتنظيمات الإسلام السياسي ظل وفيا لخط والده، الدفاع عن الإسلام بالامازيغية من دون الحط من قيمة لغته وهويته، كما يفعل الكثير من الاخوانيين الذين يغيرون القابهم ويخفون لغتهم وهويتهم الأمازيغية. 

وعملا بالمنهج التاريخي، يمكن اعتبار تغيير ابن كيران بالعثماني شبيه باختيار المؤرخ الجليل والعالم القدير الامازيغي احمد التوفيق وزيرا للاوقاف بذلا عن سابقه المذغري في وقت عصيب جاءت ابانه التفجيرات الإرهابية في الدار البيضاء.. والمعروف ان أحمد التوفيق هو عالم متصوف ومؤرخ سهر على تحقيق كتب ومناقب مهم في التاريخ الديني المغربي أهمها كتاب التشوف إلى رجال التصوف لابن الزيات، وبذل فيه التوفيق الكثير من الجهد في البحث والتنقيب، إضافة إلى إشرافه على تحقيق كتب ومصادر أخرى مهمة وكثيرة، وكلها تنتمي إلى الصنف المناقبي والتراث الديني التاريخي...وكل هذه العصارة الفكرية والعلمية والتاريخية استثمرها التوفيق في إصلاحه الديني داخل وزارة الأوقاف، وأعطت نجاحا مهما ومثمرا في الشأن الديني، والحفاظ على مساعي إسلام مغربي معتدل ومختلف وبعيد عن كل أشكال التأويل الديني المتطرف، وليس من السهل مواجهة قوة الانتشار والتأثير الذي تمارسه الحركات الوهابية والاخوانية المدعومة بأموال البيرترودولار...فالذين عينوا احمد التوفيق فإنهم يبحثون عن هذا البروفايل الذي فهم وخبر وتشبع بأصول وثوابث الإسلام المغربي الأمازيغي(أنظر درس افتتاحي سابق الوزير التوفيق في إطار الدروس الرمضانية) وانتماء التوفيق إلى سفوح الأطلس الكبير يجعله مطلعا وعارفا أكثر لمنظومة سوس الثقافية والدينية...

هكذا يظهر ان تعيين الدكتور سعدالدين العثماني وهو في نفس الآن فقيه سوسي، هو بمثابة العودة من المنعرج، هو نصف دورة في الفيراج الإخواني الذي كان المغرب يطل عليه من الأعلى منذ أكتوبر الماضي، فإذا كان من الضروري المرور في الفيراج الإخواني، فمن الأفضل ان تكون القيادة من طرف رجل هادىء خبر منعرجات جبال جزولة. هناك حيث منبث الصلحاء والأولياء والعلماء من طينة لالا تاعلات الصالحة المباركة.

منذ ان اختار سيدي وكاك اوزلو اللمطي ان ينزل في ازغار المقابل لجبال جزولة، وانتظر نزول صديقه المعروف باسم عبدالله بن ياسين الجزولي إلى رباطه، واتفقوا على صناعة شيء خاص بهم مختلف عن ما هو موجود عند الآخرين خاصة في الشرق، منذ تلك اللحظة، انطلقت أول خلية تفكير في فكرة البديل المغربي، وهي الفكرة التي نسميها اليوم إسلام أمازيغي، فكرة بسيطة اختمرت في بادية فقيرة بضواحي تزنيت الحالية، وصنعت حضارة عظيمة منها مدينة مراكش، التي أصبحت تطلق على بلاد المغرب كله...بلاد مراكش لقرون عديدة.