الـملثمات يزرعن ويجنين الخير في حقول المغرب

يوسف حمادي: 

اضطرتهن ظروفهن القاسية إلى الخروج كل فجر بحثا عن عمل في الحقول الفلاحية، نساء أخفين تحت اللثام معاناة السنين، يحملن زادهن البسيط لسد رمقهن طوال يوم عمل شاق إذا حظين به في ضيعات الكروم والفراولة والحمضيات، مقابل دريهمات عند الغروب تنسيهن التعب، ويرجعن بلقمة تقي عائلاتهن من الجوع.

الشقاء أفضل من الاحتياج
مُلثمات الحقول الزراعية في المغرب، يحاكين في لباسهن الـ”نينجا” ذاك المقاتل المتخفي في الثقافة الحربية اليابانية، فأغلبهن فتيات في مقتبل العمر، بين سن التاسعة عشرة والتاسعة والعشرين، منهن العازبات والأرامل والمطلقات، أجبرتهن ظروف الحياة على الخروج والبحث عن عمل في القطاع الفلاحي يقيهن من غوائل الفقر.

في منطقة العوامرة، شمال المغرب، وبمنطقة اشتوكة أيت باها، جنوبه، تكثر ظاهرة النساء المُلثمات اللاتي يقفن في الصباح الباكر على قارعة الطريق أو في موقف العمل بالمدينة، ينتظرن فلاحا يحملهن، أو يحمل بعضهن، للعمل ساعات طويلة في حقله وجني الفاكهة أو الخضروات مثل الطماطم أو البطاطا أوالفراولة، أو أي منتوج زراعي آخر، مقابل أجر يومي يصون كرامة العاملة ويضمن لها بعض أسباب العيش الكريم لها ولعائلتها.

يقول مصطفى الهيقة، وهو من مزارعي منطقة العوامرة بإقليم العرائش، إنه يصل إلى موقف عاملات الحقول، الملقبات بالـ”نينجا” كل فجر، وفور وقوف سيارته حيث يجدهن في انتظاره، ينادي مصطفى على بعضهن لمصاحبته إلى فدانه فيركبن معه سيارته الزراعية ذات الحمّالة المكشوفة، وبأيديهن فؤوسهن الصغيرة وآليات الاقتلاع والجني اليدوي وزادهن من الطعام، وفور وصولهن إلى الحقل، واستماعهن لتوجيهات المزارع أو المسؤول عن العمال والذي يسمى “الكبران”، يشرعن في العمل بجدية وإتقان.

يقول مصطفى صاحب مزرعة فراولة عن العاملات الملثمات، “إنهن عاملات حقول يشتغلن بجدية دون تكاسل، فهن أحيانا أكثر إتقانا لعملهن من الرجال، إنهن لا يجادلن كثيرا حول مبالغ أجورهن، ولا يطالبن بشيء سوى ما تمّ الاتفاق عليه من أجر، وهو غالبا لا يتعدى 70 درهما، في اليوم”.

ورغم ما يتمتعن به من قوة جسدية وصبر، فإنهن يتعاملن بلطف مع ثمار الفراولة، الفاكهة الموسمية التي لا تتحمل كثرة اللمس باليد، لسرعة تأثرها.

ماكينة بشرية
يسمونها “ماكينة بشرية”، واسمها الحقيقي منانة، فهي جادة في عملها ومُجدّة، لدرجة أن المزارعين يتهافتون عليها منذ الصباح الباكر ليفوزوا بيوم عمل يعود عليهم بمردود أكثر من عامل، و”المحظوظ من يفز برضاها للشغل عنده”.

يعلق مصطفى، منانة سيدة على مشارف الثلاثين من العمر، بشوشة، لا يرى منها سوى عين واحدة، اليسرى فحسب، مغمورة وسط لباسها الرياضي، تخفي أسرار حياتها في خمار شبيه بالعمامة، وعلى رأسها قبعة رياضية.
مهنة العفاف والكفاف

وفي العمل وسط الحقل، لا تنظر منانة إلا إلى الفاكهة المراد جنيها، حاملة على ظهرها صندوقا بلاستيكيا لتجميع المنتوج، لها قدرة على حث العاملات على المضي في العمل دون كلل من خلال أغانيها وأهازيجها،

فتنخرط معها النساء الأخريات في ترديد الأغنية وهن منكبّات يجمعن حبات البطاطا أو يجنين الطماطم أو ينقين النعناع من الشوائب.

وتعلق منانة في تصريحات لـ”العرب” على ظروف الحياة واحتياجات عائلتها التي أجبرتها على العمل في القطاع الزراعي، العمل الذي لا تتقن غيره، مؤكدة أن العمل يصون المرأة ويجعل لها كرامة كما الرجل “ليس الرجل وحده له عضلات، أنا أيضا لي عضلات”، تقول ضاحكة، والعرق يتصبب منها وهي منهمكة تجمع الفراولة من حقل مصطفى الذي وعدها بمكافأة خاصة في نهاية العمل، تتمثل في حاوية زيت زيتون من فئة خمسة لترات، مقابل تشجيع منانة لزميلاتها، وفي مقدمتهن صديقتها رحمة، على العمل بجد وإتقان.

وراء اللثام تخفي كل مزارعة حكايتها مع الحياة والظروف التي أجبرتها على القيام كل فجر تاركة أفراد عائلتها يغطون في نومهم، بحثا عن شغل تعود منه بلقمة عيش لهم.

تقول منانة عن سر لثام النساء المزارعات، إنها وزميلاتها العاملات في الحقول يخفين وجوههن عن الناس لأنهن في أيام العطل والأعياد يلبسن أحسن ما لديهن وينزلن إلى ساحات المدينة، وهناك غالبا ما يلتقين بالمزارعين وبأبنائهم فلا يعرفونهن أو يحرجونهن بأسئلتهم خارج أوقات العمل، ثم قد يسعف الحظ عاملة المزارع بالزواج من شخص ما، فلا يحرجها أو يعيب عليها شغلها في المزارع، أو يستهزئ أصحابه من زواجه بمزارعة حقول.

تعلق رحمة قائلة “إن عملنا موسمي.. نسعى من خلاله إلى تحقيق الكفاف والعفاف والغنى عن الناس، إلى أن يأتينا عريس نسعد بجانبه ويحفظ كرامتنا، فنترك شقاء الفلاحة والزراعة، ونكشف له عن وجوهنا الجميلة”.

معاناة
تعاني المزارعات من قسوة الطقس والنقل السيء وسوء المعاملة من بعض الفلاحين والعاملين من الرجال، فمنهن من تعرضت للتحرش أو الظلم والإهانة.

تقول رحمة بشيء من الخجل البادي على وجهها، إن المزارعين لا يؤدون لهن حقوقهن كما يجب، كما أنهن يجابهن بعض المزارعين أو أبناءهم المتحرشين بهن وسط الحقول النائية “لقد ضربت واحدا على يده بفأسي عندما حاول التحرش بي..”.

وتعاني النساء العاملات في الزراعة من التعرض للتحرش الجنسي في تواطؤ بين المشرف على العاملات (الكبران) وصاحب الضيعة الفلاحية وأولاده أحيانا وحتى العاملين من الرجال في المزرعة أو المتسكعين في موقف العمل، المكان الذي يقبل عليه الفلاحون كل صباح لنقل المزارعات إلى الضيعات.

وتبدأ حكاية التحرش من موقف العمل إذ يعمد الفلاح أو المسؤول عن العاملات على اختيار بعض الفتيات لغاية في نفس يعقوب، ولكن الفلاح ينسى أن هؤلاء النساء اخترن العمل الفلاحي الشاق وفضلنه على العمل في البيوت كمعينات منزليات أو الانحراف وممارسة الرذيلة، لأن كرامتهن أهم لديهن من المال.
وراء كل لثام حكاية

وعادة ما تنتهي بعض عمليات التحرش برد قاس من المزارعة لتطرد على إثرها أو في اليوم التالي، بل قد يقتطع صاحب العمل أجرة اليوم كعقاب على صده وفضح أمره وسط العاملات.

لكن العديد من الفتيات يخفين أسرار استغلالهن خوفا على لقمة العيش؛ عائشة (25)، تقول أنها معيلة لإخوتها الخمسة وأمها المريضة، وهي تعمل منذ كانت في السادسة عشرة من عمرها، تعرضت خلالها لأبشع أنواع الاستغلال، لكنها اليوم تعلمت كيف تدافع عن نفسها حتى أصبح الفلاحون والعاملون من الرجال معها يخشون ردة فعلها، إذا ما اقترب منها أو تحرش بها أحدهم.

غزالة مطلقة اختارت ألّا تعمل إلا في قريتها بعيدا عن الموقف لأنها تخاف من التحرش والاعتداء الذي تتعرض له العاملات في أماكن أخرى، تقول “على الرغم من أن فرص الشغل بقريتي قليلة، لكنني أفضّل الاكتفاء بالعمل هنا، لأن الجميع يعرفني ويكنون لي ولعائلتي الاحترام على الرغم من فقرنا المدقع”.

وتروي غزالة حكاية صديقة لها نجت من عملية اغتصاب بأعجوبة وأثرت عليها نفسيا حتى أنها تركت الشغل رغم حاجتها له؛ راضية خرجت فجرا للذهاب إلى ضيعة تعمل بها في موسم الطماطم، اعترض سبيلها شاب مسلح بسكين وأمسك بها ووضع السكين على صدرها، لكنها ظلت تقاومه وهي تصرخ وتبكي إلى أن مرت شاحنة عمال ففرّ الشاب بعد أن هرع بعض العمال من الرجال لنجدتها، ومنذ ذلك اليوم عزفت راضية عن الشغل بالفلاحة لتساعد أخاها الذي يعمل في قطاع البناء ويعيل الأسرة ويوفر معلوم الدراسة لإخوته.

وتعلق غزالة قائلة، رغم ما نعانيه من تحرش ونظرة المجتمع الدونية والأجور المتدنية، تبقى هذه المهنة مهنة العفاف والكفاف، خاصة بالنسبة إلى الفتيات اللاتي لم يواصلن دراستهن، أو من لم يتعلمن حرفة أخرى تقيهن غوائل الدهر.

والمزارعات يعانين من مصاعب أخرى تبدأ من عملية النقل السيئة فهن يتنقلن بأعداد كبيرة من الموقف إلى المزارع في شاحنات صغيرة ما يعرضهن للخطر، وتقول دراسة لمنظمة “أكسفام” البريطانية إن “وسائل نقل العاملات بالقطاع في حالة سيئة للغاية”، وسجلت وجود “اكتظاظ كبير أثناء نقل العاملات”، وذكرت أن سيارة من الحجم الكبير، يمكن أن تنقل بشكل قانوني 9 أشخاص فقط، لكن تحمل فعليا 35 عاملة بالضيعات الفلاحية، وأحيانا يصل العدد إلى 55 عاملة”.

وتعاني المغربيات العاملات في قطاع الفلاحة من قساوة الطقس خاصة وأنهن يقضين ساعات النهار تحت أشعة الشمس في الصيف فتجدهن يتصببن عرقا، وفي الشتاء يعانين من البرد القارس والرياح التي تملأ عيونهن ترابا، لكنهن يبقين صامدات من أجل كسب قوتهن بعرق جبينهن.
نقلا عن صحيفة العرب