ليلة صوفية ناصرية بتزنيت تأبيناً لروح قطب سوس سيدي الحاج أحمد "ندار ومان"

الحسين أكروم 

بعد أن انتقل قطب وقته وغوث زمانه العارف بالله سيدي الحاج أحمد بن عبد الرحمن التاكوشتِي المعروف بسيدي الحاج أحمد نْدَارْ وَمَانْ إلَى الرفيق الأعلى بدأ كثير من محبيه يقيمون مناسبات بين الفينة والأخرى، فبعد أن أقيم حفل تأبينِي حوله قبل حوالَي شهر بتمصلوحت بأحواز مراكش، التئم الليلة البارحة الأحد 26 فبراير 2017 عدد من مـحبيه بمقر الزاوية الناصرية بتزنيت، فأقاموا فيه ليلة صوفية مباركة ترحماً على روحه الطاهرة، وتذكيراً بمحاسنه، وتنبيهاً للشباب والمريدين والزوار على نهج تربيته الروحية، وكذا التدرج على طرق تزكيته للنفوس، وكان قصْدُ المنظمين فِي ذلك بالإضافة إلَى ما ذُكر إشاعة مشربه الصوفِي بين الحاضرين.

مجالس الذكر منبع الرحـمة والسكينة:
بدأ محبو المربِّي الكبير الشيخ سيدي الحاج أحمد يتقاطرون على الزاوية وبكل شوق وشغف من صلاة العصر حتى بعد صلاة العشاء، وبعد أن اجتمعوا ضاق بهم المكان، فتزاحموا وتراحموا، وكلهم متشوقون لسماع الأذكار، فتُـلِيت فِي ذلكم المجلس المبارك أمداح نبوية، وابتهالات دينية، استمْـتَعَ الحاضرون بها، بعد أن سمعوا لها، فنزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده كما جاء فِي فضل مجالس الذكر . 

ويشهد الله أن الإنسان يحس هناك بجو إيمانِي غريب لا يحس به إلا فِي تلك المجالس، فيخيل للإنسان وكأن قشعريرة غمرت جسمه، حتى أوشكت أو كادت أن تتملك أحاسيسه، وكثير من الناس فقدوا ذلك الشعور، وحُرِموا من ذلك الخير، ولطالما نرجو أن يشاركُونا إخواننا فِي تلكم المحسوسات الإيمانية، والأنوار الربانية وما أحوجهم إليها سيما مع أنَّ غالبـيتهم طغت عليهم الحياة المادية، وتسلطت عليهم الحداثة العصرية، وبـدأت حياتهم تتحول إلَى شكليات ومظاهر خالية عن الجوهر الحقيقي للتدين، فضاعوا المعاني والأسرار، وراعوا المظاهر والرسوم، وكان ذلك طبعاً على حساب الجانب الروحي الصوفِي، ففقد بذلك الإنسان المعاصر رقماً مهماً فِي معادلة توازنه بين الروح والجسد، فضلاً عن الاضطراب الحاصل كذلك عنده بين التطبيق العملي الواقعي، والممارسة التربوية السلوكية، ولذلك كثرت الانهيارات العصبية، والاضطرابات النفسية، وارتفعت نسبة الانتحارات، والأمراض العقلية، فقدوا السعادة، والطمأنينة، وراحة البال، وكل ما سلف يحدث بسبب الفراغ الروحي، وكثير من الناس لو علموا ما في داخل تلك الزاوية لتسابقوا إليها، ولتزاحموا عليها، وإن كان كثير منهم يمرون عليها مصبحين وبالليل.


مزج فقرات اللقاء بين الأذكار النبوية والدروس العلمية:
لا شك أن هذا اللقاء المبارك اجتمع فيه ما تفرق فِي غيره من الآداب الفاضلة والأذكار النبوية، والدروس العلمية، فقد قرئت فيه آيات بينات من الذكر الحكيم بطريقة جماعية، تلاها توزيع أجزاء قرآنية صغيرة كل واحد فيه حزبين لتعميم فائدة أجر القراءة، ولتكثير المأجورين، وما هو إلا كلمح البصر أو هو أقرب حتى خُتم القرآن.

بعد ذلك أشرف السيد الفاضل سيدي الحاج الحسين مقدم الطريقة الناصرية بتزنيت على مجلس ذكري فتلى بصورة جماعية أوراد الطريقة الناصرية، ونوَّع فيها بأنغام مختلفة، تذكيراً للحاضرين بها، وتمريناً للشباب عليها، وتنبيهاً للمريدين بالاستمساك بها، فتواطأ الجميع على ذلك سِرّاً، وإن لَم يتفقوا عليه جهراً، ليس فِي تلك الليلة وحدها ولكن إلَى الأبد وعلى الدوام، وفِي كل عام من الأعوام، سواء فِي ذلك الخاص والعام، وزاد مقدم الطريقة لما سبق أذكاراً أخرى باللغة الشلحية، مازجاً إياها بتوسلات للشيخ سيدي أحمد بن ناصر، ثم تلاه درس ديني ألقاه: الحسين أكروم وهو مرشد ديني ببوكرى حول مكانة الزاوية الناصرية الدينية والاجتماعية، فتفاعل الحاضرون مع كل الفقرات المذكـورة تأثيراً وتأثراً، إمداداً واستمداداً.

يشار إلَى أن اللقاء حضرته شخصيات صوفية بارزة، وعلماء وباحثين جاؤوا من الدار البيضاء، واشتوكة أيت باها، وأكادير، وسيدي إيفنِي، كما حضره أحد أفراد عائلة المرحوم سيدي الحاج أحمد ندار ومان، فاستحسن الحاضرون ذلك اللقاء، واعتبروه فرصة سانحة لتجديد محبتهم بالقطب الربانِي الشيخ سيدي الحاج أحمد التاكوشتِي، والغرف من معينه الروحي كل منهم على قدر إنائه.


كيفية تلاقِي أرواح المريدين:
ولو لَم يكن من محاسن أمثال هذه المجالس إلا تجديد أواصر العلاقة بين الناصريين لكفاها شرفاً وفخراً، فكيف لو تلاقحت فيها أرواحهم مع أرواح المريدين الآخرين فحصل المدد الإلهي، وعم التساكن، وارتفعت المنازل، وارتقت الروح، فازداد الحاضرون إيماناً بعد إيمانهم، فعلم الله ما فِي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم.

وبالجملة فقد انفض ذلكم الجمع المبارك فِي وقت متأخر من الليل مع عناق حار بين المحبين بعضهم لبعض، فحصل تعارف جديد، وتلاقح عجيب بين كل الحاضرين على اختلاف مراتبهم الاجتماعية، ومهامهم الإدارية، وزادها بهاء وجمالاً بساطة المقيمين على اللقاء، وعفوية تعاملهم مع الزوار، وتواضعهم لهم، فأحدث ذلك قالباً صوفياً ممزوجاً بالمحاسن الحميدة، والفضائل الحسنة.

ومن روائع المشاهد المؤثرة فِي هذه الليلة الصوفية اشتمالها على محاسن أنواع البر كختم القرآن، وعقد مجالس الذكر، وإطعام الطعام، وتزاور الأحبة، وتلاقح الأرواح، والدعاء للأقطاب مثل شيوخ الناصريين، والعارف بالله سيدي الحاج أحمد التاكوشتي، وغيرهم من عامة المسلمين، فتعاون الحاضرون على وجوه الخير، وتشاوروا فِي صنوف المعروف، فأصبحوا بذلك كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وإن شئت قلتَ كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى.

مسك الختام:
وبالجملة فاللقاء كان مباركاً، تقشعر لنفحاته الأبدان، وتشيب لبركاته الولدان، وتشتاق لمثله كل البلدان، وهذا شأن كل ما أسس على التقوى من الله ورضوان، فضرب الجميع موعداً لتتجدد المناسبة إن شاء الله فِي كل وقت وآن، وفِي نسق عجيب تلتقي فيه أصالة المنهج التربوي لمريدي الشيخ سيدي أحمد التاكوشتِي بأنصع صوره، ومعاصرة تأثيرات مسلكه الروحي بأحلى مظاهره.

الدكتور الحسين أكروم 
عضو مختبر الاجتهاد المعاصر –أسس وقضايا-