"امي مقورن" و"كوب 22"

عبد اللطيف أزرموح : 

جالس القرفصاء فوق اعلى قمة بهضاب امي مقورن، يتأمل ما حوله، حين انطلق صوت مقدمة الاخبار من مذياعه الصغير وانيسه في وحشته، مستهلة نشرتها بخبر الساعة "مراكش تحتضن قمة المناخ الثانية والعشرون، فانبعتت ابتسامة استهزاء من بين شفتيه ومد يده لزر المذياع من اجل اغلاقه.

بدأ يتأمل ما حوله من مناظر، غبار ابيض متصاعد واشجار "الأركان" مكتسية البياض، وهدير الالات الحاد لا يتوقف طول النهار وحفر جبلية عملاقة .

تذكر ما شاهده على القنوات التلفزية وما سمعه من خلال الاذاعات السمعية، من وصول كبار المسؤولين وقادة الدول المتقدمة ورؤساء كبريات المنظمات البيئية لمدينة مراكش، من اجل تدارس كبريات المشاكل البيئية التي يواجهها العالم، وازداد اشمئزازه مرة اخرى حين تذكر ان كل هذه المشاكل سيتم تدارسها والبحث عن حلول لها في وطنه، هذا الاخير الذي عجز عن ايجاد حل للدمار الذي لحق بالارض والشجر في منطقته، ويهدد حياة افراده من ابناءه.

تذكر كيف تتزعزع الارض من تحت اقدامه مرات عدة في اليوم، وتذكر كيف اضحى منزله اهلا للسقوط في اي لحظة، وقد نقشت في جدرانه خرائط لدول مجهولة على شكل تشققات جراء الزلازل المتكررة.

التفت شمالا للجبل المجاور، محاول طرد ذلك الكابوس من ذاكرته، ليستقر بصره مرة اخرى في غبار ابيض متصاعد، منبعث من حفر جبلية عملاقة، فتذكر ابنه وفلذة كبده كيف يحارب من اجل البقاء، وكيف ان شخيره في الليالي الهادئة يسمع من الغرفة المجاورة، تذكر كيف يستعين في كل مرة ببخاخ الربو من اجل مساعدته على التنفس السليم، بعد ان اهلكته امراض الربو والحساسية وضيق التنفس التي لم ينفع معها طبيب ولا حكيم.

امتلأت عيناه ماء وهو ينظر الى اشجار الاركان التي اكتست البياض، ثم الى تلك التشوهات الجبلية التي تفسد منظر المنطقة، فتذكر ايام الصبى حين كانت هذه الاشجار تجود عليه بكرمها، لكنها اليوم قد يبست، تساقطت اوراقها واختارت الابيض رداءا لها، وهو جالس جامد لا حول له ولا قوه، حائر كيف يرد لها الجميل.

سقطت دمعته اخيرا على صخرة، فبدت عليه الحيرة عاجز عما لزمه العمل، فلا مراسلة عامل العمالة قضت شيئا، ولا وضع شكاية لدى والي الجهة اتت حلا ولا ابلاغ مندوب المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل باساس المشكل بلغ مقصدا، بل ما تزيد الامور الا تأزما، فشركات استغلال المقالع تبحث عن التوسع ولو على حساب الساكنة ولحد الان لم يستوعب من يمنح الرخص الادارية لهاته الشركات، وما نوع الرقابة الذي يمارس على اعمالها، ولا احد عاين مدى التزامها بدفتر التحملات، فلا يزيد الفساد الا فساد.

كيف قست قلوب البشر، كيف عمى الجشع بصيرتهم، فلا يهمهم انسان مرض او مات حتى، ولا تهمهم بيئة نظيفة كانت او ملوثة، لا يهمهم منظر طبيعي ان تشوه، ولا تهمهم منطقتهم التي فقدت رونقها وجماليتها الطبيعية، وفقدت معها خصوصيتها الجغرافية والمناخية التي لطالما ميزتها.

خمن مليا، ماذا لو اكتشف العالم هذه المنطقة (امي مقورن ـ اشتوكة ايت باها) الذي لم يبقى فيها سوى الاسم، ماذا لو اكتشفت هذه الكارثة البيئية، سموم قاتلة تتطاير مع كل موجة غبار متصاعدة، ونذرة مياه متزايدة مع كل زلزال، كيف يموت ضمير الانسان ويتجرأ على اعدام نصوص قانونية تحدد مقدار المتفجرات الواجب الالتزام بها، كيف لا يلتزم باعادة تشجير مئات اشجار الاركان ان لم نقل الالف التي تقتلع مع كل تمدد وتوسع، الا يدرك هؤلاء المغفلون قيمة هذه الشجرة الكنز، التي ابت تضرب بجذورها و تفرخ ثمارها في اي نقطة اخرى عبر العالم سوى في تربة هذا الوطن، هذا الوطن الخائن الذي لم ينصفها رغم كل ما جادت به عليه من كرم.

ان حدث واكتشف العالم هذه المعضلة البيئية، فماذا ستكون ردة فعله، هل سينسحب في خيبة، هل سيعاتب مسؤولي هذا الوطن عما بدر منهم من تقصير، وان صح التعبير من لا مبالاة، هل سياعقب كل من ارتشى ليكرس هذا الوضع من اداريين وخبراء ومسؤولين ومن مجتمع مدني، ام ان العالم الذي اجتمع اليوم في مراكش سيقوم بوضع كل ملفاته ومشاكله جانبا، ويتدارس بالاولوية ملف البيئة المنكوبة في امي مقورن،لكن بماذا سيفيدنا هذا التدارس، بماذا ستفيدنا المؤتمرات والاجتماعات مادامت العقليات نفسها هي المتحكمة، مادام اللوبي نفسه هو المسيطر والضاغط على ادارة الجماعة المعنية من اجل تكريس الوضع.

انتصب واقفا، فصمم على السفر الى مدينة المناخ من اجل الاعتصام، لكنه سرعان ما تأمل مظهره الرث والمتسخ نتيجة الغبار المنتشر في كل الارجاء، والذي يوحي لكل من يراه للوهلة الاولى كأنه متشرد قطعت به سبل الحياة، فعلم ان مصيره محسوم منذ الان؛ فاما ترحيل او طحن وفي كلتا الحالتين سيكون الامر في شاحنة القمامة.