إستحقاقات 2016، وثنائية قطبية بين البام والبيجيدي ..!!

لحسن جانطي
الملاحَظ من تصريحات جل زعماء الأحزاب السياسية خاصة الذين "داس عليهم الجمل" أنهم باتوا يخافون من ثنائية قطبية حزبية في المغرب أكثر من نتائج الإقتراع نفسه. سبب ذلك يعود لسنوات خلت عندما سمح الحسن الثاني بالتعددية الحزبية، وسن قانون أحزاب جد معقد، يكاد لا يسمح بتشكيل حكومة من حزب واحد.. هاته الأحزاب البعيدة عن القطبية الجديدة التي تظهر في الأفق الآن بين حزب العصابة والعشبة وبين العدالة والتنمية، ألفت "بزولة المساعدات والهبات"، وألفت اللعب في رقعة تضمن لها الوجود والعيش في إطار تعددية عدمية لا تنتج ولا تزرع، تعددية كرست وماتزال لمشهد حزبي بئيس يخدم كثيرا مصالح المخزن والتحكم...!!

إن فوز العدالة والتنمية في استحقاقات 2016 خاصة بعد الحصيلة المحتشمة من التسيير "المسموح به" يبرز مما لايدع للشك أن للحزب قاعدة شعبية كبيرة بعيدة عن "الدين" أو "تديين السياسة" كما اتهم بذلك سلفا، بل هو حزب قائم بذاته؛ بكوادره وتنظيمه، يتعايش مع جميع الظروف، ويسير بخطى ثابتة إلى الأمام. أما القطب الثاني فطبيعي بعد كل الهيل والهيلمان، والجعجعة التي خلقها، وملايين الدراهم التي صرفها بمباركة من أصدقاء المشور السعيد، طبيعي أن يصل إلى ما وصل إليه في ظرف قياسي.. فعندما تدفع بجميع أسلحتك السالبة في وسط سالب، فالنتيجة الحتمية تكون إيجابية ولا مناص منها، هي قاعدة رياضية معروفة تقول: عند ضرب عدد سالب في عدد سالب يساوي قطعا عددا موجبا، وهو تماما ما يقع مع حزب العصابة...!!

لا ريب أن خوف الأحزاب الأخرى من القطبية الحزبية له مبرراته ومصوغاته خاصة وأنه سيدق آخر مسمار في نعشهم، وقد يمحو وجودهم للأبد ما لم يتدخل المخزن مرة أخرى لخلق "توازن" ثلاثي أو رباعي يزيد من تحكمه سنوات أخرى، ويؤجج لصراع يدوم ويدوم تحت سيطرته، وهو شيء لن يكون صعبا عليه مادام يعرف كيف يحكم "الماتش" في انتخابات تنظم تحت وصاية الداخلية التابعة له، بل ولها الجرأة أن تنتقد وتسب وتقدف علنا كل من يخالفها ويسير ضد تيارها...

في جل الدول التي تحترم نفسها، كفرنسا وأمريكا وانجلترا وتركيا تحديدا، وحتى اسرائيل، فالثنائية القطبية شيء تكاد تلمسه في مشهد سياسي مفعم بالديموقراطية وروح المنافسة دون أن تشتكي الأحزاب الأخرى - حتى الصغيرة منها - والتي تؤمن ببرامجها وبفرصها إيمانا عميقا حتى في ظل حزبين كبيرين يهيمنان دائما مع فارق كبير مقارنة مع المغرب: "الإكتساح" يقودك حتما إلى تشكيل حكومة لوحدك في مدة وجيزة، أو حكومة ائتلافية تروم مصلحة البلد، غير ذلك وجب حل البرلمان، وإعادة الإنتخابات دون البحث عن صيغة أخرى "بيزنطية"، أو الثانية زوالا في منتصف اليوم كما يقول المثل الفرنسي الشهير...!!

لعل جل ما سيميز خارطة الطريق الحزبية الآن أن حزبا كبيرا كالبيجيدي، والذي قاتل وناضل واستعد لحملته مند شهور، وجازف بشعبيته في كثير من القرارات والأوراش، بل وفاز بعد كل ذلك رغم العراقيل والتحديات، سيكون مضطرا مرة أخرى أن "يلحس كابة" أحزاب دخلت الإنتخابات بلا شيء ولا تنتظر من نفسها أي شيء.. ستتصدر المشهد مرة أخرى، وستبتز وستهدد وستثور مالم تنفد شروطها في استوزار فلان وفلان ألفوا أجرة الوزارة ومكاتبها الضخمة وسياراتها الفارهة، مشهد بئيس سيتكرر، وفيلم قديم سيعاد بثه قبل أن تلتقط الصورة النهائية "الكثيرة العدد" قي المشور السعيد إيذانا ببدء حكومة جديدة حتى إشعار آخر، أو ابتزاز وانسحاب آخر...

ربما يود الذين آمنوا بمشروع الحداثة والديموقراطية في بلادنا أن يحذو المغاربة حذو إسبانيا التي حلت البرلمان، وأعادت الإنتخابات بعد فشل الأحزاب الفائزة من تشكيل حكومة ائتلافية موحدة، والحال أن الفارق بين الدولتين كبير جدا، لأن الأحزاب المتناحرة هناك تؤمن بقلب أعمى بمبادئها، وبايديولوجياتها وبسمعتها أكثر، ولا تمد يدها إلا لمن يوافقها هذا الطريق والتوجه، وهو بلد يهتم فيه الملك والأمراء بمشاهدة مباريات كرة القدم أكثر من مباريات الأحزاب. العكس كل العكس هنا بفارق بسيط: قد ينسحب أرنب في وسط السباق ويعوض مباشرة بأرنب آخر ليكمل المسيرة، أعد سلفا لهكذا مهمات دون أن ينقص ذلك من قدر" الحزب الفائز شيئا"...!!

عندما تخول هذه القطبية الجديدة لحزب واحد بالحكم والقيادة بعيدا عن مسرحية التحالفات ومجرياتها وكواليسها، آنذاك فقط يمكن أن نفرح ببزوغ فجر جديد من "الإنتقال الديموقراطي" الحقيقي حتى في ظل ملكية مطلقة تسود وتحكم، لأن حسابات أخرى ستطفو على السطح، ولا عزاء للأحزاب الأخرى المتهالكة كيفما كان حجمها ونوعها وأقدميتها...!

فهل سيسمح القصر بذلك...؟؟!!