الطالب "السملالي" في قراءة للكتاب الجديد للفقيه الدادسي التنالتي

السملالي محمد : 

جرت عادة فقهاء سوس أن يؤلفوا الكتب المتنوعة من كل الفنون المتداولة في مختلف المدارس العتيقة كالنحو والفقه والأصول والقراءات وغيرها، لكننا لا نجد غالبهم يحققون كتب التراث لأن ذلك من جهة يصعب أن تصل إليها أيديهم، ولتفرقها من جهة أخرى في الخزائن العامة والخاصة.

غير أن العلامة الفقيه سيدي الغالِي الدادسي حقق كتاباً نفيساً جداً وهو أرجوزة ابن المرحل فخالف بذلك النمط المعهود عند فقهاء سوس في التأليف، وهو تحقيق نفيس جداً جداً جمع بين جزالة اللفظ ودقة المعنى، مع بث فوائد لغوية نادرة وحَشْوِه بتحقيقات مشفوعة بألغاز صرفية غير معهودة، ولا شك أن كثيراً من الدارسين يترقبونه بكل شغف سيما طلبة العلم الشرعي الذين يدرسون في المدارس العتيقة والمعاهد الشرعية وغيرهم من الأساتذة والباحثين.

التعريف بابن المرحل صاحب الكتاب:
عرَّف الفقيه الدادسي بابن المرحل في مقدمة الكتاب تعريفاً مقتضبا فقال: " مالك بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمان المصمودي ولد في أوائل 604 هجرية بمالقة ثُم سكن سبتة ثُم فاس وقد ترددت إقامته بين سبتة وفاس وبها توفي أواخر المائة السابعة والوصف بالمرحل انسحب عليه من قِبل جده علي بن عبد الرحمن لما رحل من شنتمرية لما أسلمت إلى الروم على يد بن مردنيش سنة 565 هجرية .." انظر الصفحة [ث] من مقدمة دراسته للكتاب.

طريقة الفقيه الدادسي فِي تحقيق أرجوزة ابن المرحل:
يكاد لا يخفى على عدد من الباحثين النبهاء هزالة وضعف التحقيقات العلمية التي يحققها غير المختصون في الآونة الأخيرة ويعتمدون على قواعد المستشرقين في التحقيق، إلا أن الفقيه سيدي الدادسي خالفهم وبين منهجه في تحقيق الأرجوزة قائلاً: "وقد سلكت حالة التعليق على الأرجوزة طريق الأولين الذين يتحاشون الضبط بالقلم تفادياً للبس أو التحريف، فإن قيل: ما لنا ولهذا ونحن في القرن الحادي والعشرين ؟ قلت: كما قال الزبيدي وقد جمعته في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصَنَعْتُه كما صنع نوح عليه السلام الفلك وقومه منه يسخرون.. انظر مقدمة التحقيق الصفحة [ر] .

مكانة أرجوزة ابن المرحل:
أظهر ابن المرحل بلاغة نادرة جداً في أرجوزته معارضاً عدداً من فحول أهل عصره في النحو والبلاغة حتى قال عنه المحقق سيدي الغالي الدادسي: "ولقد أفحمهم فوقفوا مشدوهين لِما لها من ضوابط وفروق ومقامات" الصفحة [ب] بتصرف يسير.

وزاد المحقق في الصفحة [ح] قائلاً: " قد عمل ابن المرحل جهد المستطاع على تقريب ما ند من المفردات التي وقع النقاش بشأنها -وخُطِّئ فيها قوم وصُوِّب آخرون- إلى الأذهان لتكون في متناول الكل فشمر عن ساق الجد، واندفع يصول ويجول في أودية الكلام حتى عقد في سلك واحد ما يقرب من ثلاثمائة بيت وألف وأصلها المنثور لا يعدو ورقات تعد على الأصابع..".

مناظرات ابن المرحل مع معاصريه:
وقعت بينه وبين معاصريه مطاحنات وملاسنات كعبيد الله بن الربيع النحوي نشأت عن كلمة "ماذا" هل تستعمل حشواً كما وقع لابن المرحل في بعض ما كتب فاحتج ابن المرحل بصنعة المولدين من أمثاله ولج ابن ابي الربيع في الإنكار عليه وهي مناظرات جميلة ورائعة سيجدها القارئ إن شاء الله مفصلة فِي ثنايا الكتاب .

كما وقع بينه وبين ابي علي بن رُشيق السبتي من الملاحظات والمهاترات ما دفع ابن رشيق إلى أن يفحش في كلمته إذ قال:

لكلاب سبتة فِي النباح مدارك وأشدها عند التهارش مالك

والقصيدة طويلة تحمل من القدح ما لا يطاق.. انظر المزيد في الصفحة [ج] . 

مؤاخذات الفقيه الدادسي على الكتاب:
هناك بعض المؤاخذات التي تفطن لها المعاصرون لابن المرحل، وهناك أخرى تنبه لها الفقيه الدادسي فقال في مقدمة الكتاب مبيناً مآخذ علماء وقته على ابن المرحل: "وأُخذ عليه ما وقع له مرارا من أبيات من السريع المكشوف مما اجتمع في قافيته ساكنان وهو مستساغ على مضض ولا يتحاشى هذا الضرب إلا النقاد الذين يدققون فِي أساس القوالب الأولَى.." الصفحة [خ]. 

ومن بين الدقائق النادرة التي لاحظها محقق الأرجوزة الفقيه سيدي الدادسي قوله: "كما وقعت له تتمات بلغت ستين ومائة بعضها سدت به فجوة الكلام وأضاف شيئا جديداً وبعضها وقع مسداً ولم يضف شيئاً وإن كان بعض الأفاضل المغاربة قد حكم على الكل بكمال الإبداع.." الصفحة [خ]. 

النسخ الخطية التي اعتمد عليها الفقيه الدادسي:
يظهر أن الفقيه كان يبحث فترة طويلة عن عدد من النسخ الموزعة في عدد من الخزائن الوطنية والدولية بل وحتى الخاصة، فتحصل له من مجموع ذلك أربع نسخ خطية فقال واصفاً إياها في مقدمة تحقيقه: "ثنتان من الخزانة الملكية بالرباط، وثالثتهن من الزاوية الحمزاوية، ورابعتهن من قسم المخطوطات بجامعة الملك سعود.." الصفحة [ذ].

وبالجملة فالكتاب نفيس جداً فيه تفريعات وتحقيقات نادرة ولطالما ينتظره عشاق الأدب واللغة والبلاغة، والكتاب إن شاء الله سيعرض في موسم سيدي الحاج لحبيب التنالتي فإلى ذلكم الحين والسلام.

السملالي محمد طالب بمدرسة أيت اعزا –اشتوكة أيت باها-