الدمى الجنسية وسؤال الأخلاق

بوبكر أيت بوديب : 

من منا لم يتحدث عن ما أصبح يعرف بالدمى الجنسية؟ فمع ظهور أول دمية جنسية بأحد الأسواق المعروفة على الصعيد الوطني المعروف بـ(درب عمر) بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، انطلقت ردود الفعل على مستوى المواقع الاجتماعية خاصة "فايسبوك" فانتشرت موجة من الصور والفيديوهات لهذه الدمى بملامح متعددة وبأحجام متفاوتة وفي وضعيات مختلفة وفي أماكن متباينة، وبعد نهاية فعل التعريف والتشهير والاعلام ،بدأ فعل الكتابة والتعبير وتحريك الأقلام، فبين منشور هنا ومنشور هناك وبين مقال يصف واخر يتسأل...، انطلقت موجة ثانية متسمة بالنقد والذم لما أصبح يعرض في الأسواق، نقد يختلف باختلاف مرجعية الكاتب، فإن كان طبيبا قال بأن ممارسة الجنس مع الدمية له أعراض جانبية تختلف من عضوية الى نفسية، وإن كان شيخا مفتي اعتبر الأمر زنا لغياب عقد نكاح (وهل بتوفر هذا الأخير يصبح الأمر مباحا؟)، والمحامي يقف حائرا أمام معضلة قانونية وعلاقة لم ينظمها المشرع، - أما المراهق فباله مشغول بكيفية جمع ثمن الشقراء من هذه الدمى- ؛ هي اذن ردود يصعب أن نحكم عليها بالتباين و لا يمكن أن نقول عنها متقاطبة أو بالآحرى مختلفة، فهي ردود في اخر المطاف ذات توجه واحد وتصب في واد واحد رغم تعدد الروافد، بفعل آلة الضبط الاجتماعي المتمثلة في القيم الدينية الثابثة المتحكمة والموحدة للتمثلات الثقافية لمسألة الجنس.

فكلما تعلق الأمر بمسألة تمس الأخلاق والقيم إلا وتدخل الدين باعتباره من أهم الأركان المنظمة للسلوك، فالدين الإسلامي دين معاملات قبل أن يكون دين عبادة، فرغم قول الطبيب وفتوى الشيخ وحيرة المحامي وبغض النظر عن مختلف التفسيرات والتبريرات المقدمة من هؤولاء فالمنطلق واحد والتصور واحد،و الإختباء وراء المهنة والتخصص فعل يتقنه الجميع، فلا أحد سيكون مرحِبا بقضية سبق وأن حسمت معها المعايير الأخلاقية سوى شجاع سرعان ما يوصم بالجنون والحمق أو متمرد سبق وأن أًتهم بالخروج عن الملة، فمن منا لا يتذكر قضية الإجهاض التي قامت عليها الدنيا ولم تقعد، ومن منا لم يتابع التنابز الحاد بين مكونات المجتمع من متهَم بالأصولية والرجعية الى متهَم بالكفر والزندقة، ولعل جميع القضايا المتعلقة بالجنس والمناقِشة للحياة الحميمية للمغاربة وللشعوب الاسلامية عامة لتلقى نفس الردود، فالجنس خط أحمر والأخلاق ثابثة بثباث الأساس الديني فكل ما يأمر به الدين خير وحسن وما ينهى عنه شر وقبيح.

فمع قضية الدمى الجنسية رجع التعارض القديم بين القيم الدينية الثابثة والمتغيرات الدنيوية، فالمسألة الجنسية أصبحت مطروحة بشكل طافح لدى الشعوب الاسلامية، فكما قال المفكر الفرنسي "ميشيل فوكو" بأن الشعوب المحرِمة للشيء هي الأكثر لهفة اليه ،فإن النقاش حول الدمى الجنسية ليس سوى "تمظهر جنسي" ناتج عن كبث تاريخي وفيضان لطاقة جنسية طال أمد تخزينها وتتصيد الفرص للبروز والتعبير عن الذات بالرغم من التواري وراء ستار الذم والنقد.