فشلنا في نثر البذور ونجحنا في قلع الجذور

حنان عيياش : 

لنا أحلامنا الكثيرة وطموحات من حق أي واحد منا أن يحلم بها دونما منازع، فمن هذا الذي يقدر على طمس حلم يمشي بعقلك أنت؟ كل وحلمه يفكر به كيفما يريد وبطريقة هو حر في اختيارها، فلا أحد من حقه أن يمنعه من النظر عاليا ولا في أن يحد من مخيلته، ولكن عندما يتعلق الأمر بحلم نشترك به جميعا، ونرغب به كلنا دون استثناء، تختلف القاعدة ويصبح الطريق إليه طريق واحد يجب أن نسلكه بيد واحدة، بمنطلق واحد وبراية موحدة لا يهم على ما تعبر، بقدر ما تعبر على التحامنا نحن كشعب مغربي محض يسعى إلى تحسين الظروف والتغيير نحو الأفضل في ارض واحدة تجمعنا، ترابها يخالج أصابع كل منا، وبخطوات تستنجدان طالبة الأمن والاستقرار .

حلمنا هذا ولد وعاش، تنفس وصرخ لكن يبدو أن الأمر قد خرج من سيطرة كل منا، فلا إصلاح وصلناه ولا تغيير أحدثناه، ولا ديمقراطية حققناها، ولا ميزان عادل نملك كما حلمنا، لقد فشلنا كهرم سكاني عماده فئة تفكر وتنظر وتعي كيف حصل هذا ولماذا؟

فشلنا يوم سكتنا للظلم، يوم سندنا المصالح ويوم كذبنا رواية شكري واعتبرنها ذا جرأة لا تليق، يوم سجنا قلما أراد أن يكمل ما لم يقله شكري في كتابات غزت مواقع التواصل وأزاحت الستار عن المخفي، وعن حقيقتنا المفجعة تلك التي لا يراها الملك ولا أتباعه،تلك التي لا يعلمها غير من عاشها و من كان ضمنها، فشلنا يوم سمحنا للمحكمة في أن تحاكم اليراع الأدبي وتغرمه بغرامات تحد من حرية التعبير إلا من تلك التي تسير جنبا مع أشباح المصالح وأصحاب الفخامة والأولياء الأحياء الذين تركنا لهم الفرصة ليصبحوا خطا أحمر محمي مقدس لا يصح تجاوزه في دولة الحق والقانون (تسليم لهم)، الموت أضحت أرحم من محكمتنا في الإنصاف، فشلنا لان صوتنا لا يسمع، بحته لا تزال ضعيفة أمام قضية مي فتيحة وغيرهم كثير سيكتبون محضرا وسيغلق الملف كما سبق للموت وفعل،لن تعود كرامة تلك التي ماتت محروقة من أجل لقمة عيش، ولن تمسح وصمة عار طحن محسن فكري بسبب قوت يومه أيضا، فشلنا يوم صفقنا للعار، ويوم تركنا الأفواه تسبح في اللغو...، ولا نزال نفشل حين نسرع لنتابع الإعلام في نشرات تخصص للمهرجانات والحوادث والمسلسلات...، فشلنا حين وقفنا سمعا وطاعة لخربشات تنتهك توا بثنا بدعوى التقدم، حين تركنا لهم الرأي في تغيير الإسلام إلى فكر ديني ومعتقد، ويا لحظنا فلا نزال للفشل أوفياء ولو لم نعترف بهذه الحقيقة الثابتة التي تقول لا فرق بين جاهل وعالم إلا من رحم ربه، فكليهما في خدمة اللاشيء وتركوا الشيء لجيل قد يعرف قيمته وقد لا، فشل الكاتب حين سكت عن الواقع، وفشل المحامي والقاضي في إنصاف ولد الشعب، فشل الأستاذ في غرس بذور المعرفة الحقة في التلميذ، و فشل المثقف في السيطرة على عقل يهيج لا ولن يشبع، وفشل الأب في المسؤولية وفشلت الأم في التربية، وفشل الطبيب في العلاج، وفشلت السياسة في خلق فضاء يتسع لنا جميعا، وفشلت الدولة في ساس بنائها وفشلت الأرض في إنباتنا، فشلنا في الإخلاص لرب واحد ونجحت الهند في الوفاء لمئات الآلهة، ونجح المغني والممثل في قلب قلوبنا وعقولنا رأسا على عقب؟؟ وفشل الاعلام في تكوين الرأي العام ونجح في الهرج والمتعة كما وكيفا، فشلنا في محاربة الظلم ونجحنا في تكريسه، رفضنا العبودية فصرنا عبيدا لحداثة ما وراء البحر وفشلنا في الإيمان بالتغيير في أرضية غير جاهزة له أبدا وقد لا تكون...، فشلنا في نثر البذور ونجحنا في قلع الجذور تلك هي الحكاية.

تعثرنا في سقاية هذا الحلم في أرض فاسدة مليئة بندابات النفاق والغش والأنانية، كل يسعى ويجهل إلى أين، كل يحارب من جهته ولا يعرف من العدو، كل يصرخ من جهته ضدا لظلم ما، كل يئن في صمت ويبكي وجعا من قهر الحياة فيسعى جاهدا إلى تطهير ارض مدنسة بإحراق نفسه أو شنقها أو رميها أمام قطار، ظنا منه أن قضيته هاته ستغير القاعدة بتدخل إعلام لا يعمل إلا لكسب المزيد من ضحايا متابعيه، فئة منا كفيلة بالصمت لا تتحدث، تبكي في وجوم وتتقطع من الداخل أملها في رب الكون كبير ولها بصيص أمل تراه في ملك توعد بحمل مسؤولية شعب، لها رجاء في أن الضمائر ستحيى يوما ويعود الكل إلى رشده، تجهل أن ما قتل لن يعود، و ما دمر لن يرجع، فلا أمس سيعود لنفرح من أبكيناهم فيه ولا من قصرنا في خدمتهم، ولا...

مجتمع غارق في الألم كل يئن من جهته وما يختلف هو قدرة الصراخ من شخص للآخر فلا احد يشبه غيره في وجعه، فانقسمت الاتجاهات كل حسب تألمه، كل حسب درجة تحمله، وظهرت الكثير من الطرقات كلها تسعى قولا إلى الحلم المشترك وفي باطنها كل يسعى إلى آن يشفي وجعه أولا، لقد تحول الهدف الاسمي وانقسم إلى أهداف خاصة هي الأولى، تشتت العقول وتغيرت الرؤى وصار العاطل يصرخ لأجل العمل وفور توظيفه ينسى الآخرون من أمثاله، وصار المدرس يئن إلى تحسين المدرسة العمومية وفور تحسن ظروفه ينسى ما ناضل لأجله واكل من اجله ما لا يحمد عقباه، وصار الطبيب الذي وجد لإنقاذ الشعب مخذولا حين رفض العمل هناك في تلك القرى المنسية، حين تعين هناك ولا يحضر، أما الفئة الكبرى والمحظوظة منا فهي تلك من النوع الناذر التي تعيش في نعيم ويوم تعاني تجمع البشرية للدفاع والتظاهر لتحسين الوضعية فتقنعهم بقدر ما تخذلهم وقت الحاجة، وزد على ذلك الكثير في واقع مليء بالأقنعة الصينية. 

ضاقت نفوسنا وتحشرجت وانفطرت ألما وحزنا من مرض عضال نعيشه كل يوم في واقع تختلف صورته بين تحليله في الفضاء وبين العيش ضمنه، رائع في مضامينه ومخجل في تفعيلها، مجتهد في الخطابات وكسول في تنظيرها...،سئمنا و لم نعد ننتظر من الدولة أن تنصفنا بقدر ما ننتظر من الضمائر أن تعود إلى محلها ليعود الإنسان الذي فقدناه ونحن نجري وراء دير لباس حتى صرنا بأسا لنا ولغيرنا، ومن التالف بيننا ذاك الذي تعثر ونحن نتسابق نحو ديمقراطية فرنسا وتقدمها وملابس أمريكا وفكر ألمانيا وساعات سويسرا...، والصحيح أن لا احد منا يحارب ضد الظلم والفساد بقدر ما يحارب بينه وبين ذاك الإنسان الذي بداخله، بينه وبين تلك الأنا التي تؤنبه وما خفي كان أعظم، و شكري الزمن كفيل بأن يزيل القناع ويغربل ما هو محرم غربلته اليوم.